في مشهدٍ اقتصاديٍ هو الأكثر قسوةً في تاريخ اليمن الحديث، يواجه ملايين اليمنيين واقعًا معيشيًا كارثيًا، حيث تحولت أبسط السلع الأساسية إلى سلعٍ باهظة الثمن تفوق قدرة المواطن الشرائية بمراتٍ مضاعفة.
تشير الأرقام الموثقة إلى أن أسعار السلع قد قفزت بنسبة صادمة بلغت 400% منذ عام 2014، وهو ارتفاعٌ لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة مباشرة لسياسات السلطة القائمة في صنعاء التي انتهجت نهجًا قائمًا على نهب الموارد، وفرض الجبايات غير القانونية، وخلق سوقٍ موازية استنزفت ما تبقى من مدخرات اليمنيين؛ مما أدى إلى انهيارٍ مؤسسي شامل جعل “اقتصاد البقاء” هو الخيار الوحيد أمام أسرةٍ تعاني من انعدام الرواتب وتفشي الفقر المدقع.
نهب الموارد والجبايات: المحرك الرئيسي لانهيار الأسعار
تتحمل الجماعة الحوثية المسؤولية المباشرة عن التضخم الجامح الذي يضرب الأسواق اليمنية، فمنذ سيطرتها على مفاصل الدولة في صنعاء، عمدت إلى تعطيل المؤسسات الإيرادية وتحويلها إلى أدوات لتمويل مجهودها الحربي.
وفقًا لتقارير اقتصادية، قامت الجماعة بفرض ضرائب وجبايات باهظة على التجار والمستوردين في مناطق سيطرتها، مما دفع هؤلاء لترحيل تكاليف هذه الجبايات إلى المستهلك النهائي.
لم يكتفِ الحوثيون بذلك، بل خلقوا “سوقًا سوداء” للوقود والغاز، حيث يبيعون المواد الأساسية بأسعارٍ مضاعفة عن سعرها الرسمي، وهو ما تسبب في موجات تضخمية متلاحقة أدت إلى رفع تكاليف النقل والإنتاج، وبالتالي ارتفعت أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية إلى مستويات قياسية لا تتناسب مطلقًا مع مستويات الدخل المنهارة.
انقطاع الرواتب: سحق الطبقة الوسطى وتعميق الأزمة
يمثل انقطاع الرواتب، الذي بدأ منذ عام 2016 في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، الجريمة الاقتصادية الأبرز التي أنهكت المجتمع اليمني.
إن تحويل نحو 1.25 مليون موظف عام من فئةٍ منتجة وذات دخلٍ ثابت إلى “عاطلين عن العمل” قسرًا، كان بمثابة ضربة قاضية للقدرة الشرائية الوطنية.
تشير تقديرات الأمم المتحدة والبنك الدولي إلى أن انقطاع الرواتب أدى إلى تراجع متوسط دخل الفرد في اليمن بنحو 60%، مما حول 82.7% من اليمنيين إلى أشخاص يعيشون تحت خط الفقر متعدد الأبعاد.
هذا الانقطاع لم يكن تقنيًا، بل كان قرارًا سياسيًا لتركيع الموظفين وإجبارهم على الالتحاق بالجبهات أو التسول من أجل تأمين لقمة العيش، في وقت كانت فيه الجماعة تواصل جبايتها المليارية من قطاعات الاتصالات والجمارك.
التلاعب بالعملة والانقسام النقدي: سياسة نقدية مدمرة
تعد سياسة الانقسام النقدي التي فرضتها جماعة الحوثي من خلال منع تداول العملة الوطنية المطبوعة من قبل البنك المركزي في عدن، أحد أهم أسباب تدهور العملة وارتفاع الأسعار.
هذا الإجراء تسبب في فوارق كبيرة في أسعار الصرف بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين، مما خلق حالة من الفوضى في المعاملات التجارية وتسبب في “حرب عملات” أدت إلى انخفاض قيمة الريال اليمني بشكل حاد.
إن غياب السياسة النقدية الموحدة منع البنك المركزي من ممارسة دوره في ضبط التضخم، وترك الباب مفتوحًا أمام المضاربين في السوق السوداء للتحكم في أسعار السلع الأساسية، وهو ما يفسر وصول اليمن إلى المرتبة 46 عالميًا في مؤشر تكلفة المعيشة لعام 2026.
مؤشرات الأمم المتحدة: أرقام تفضح حجم الكارثة
تؤكد التقارير الأممية الصادرة في عام 2026، أن 18.1 مليون شخص يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، وأن جميع المحافظات اليمنية قد تجاوزت مستوى “الحرمان الغذائي المرتفع جدًا”.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي انعكاس لواقعٍ يعيش فيه ثمانية من كل عشرة يمنيين على حافة الجوع.
إن السياسات الحوثية التي تعرقل وصول المساعدات الإنسانية، وتفرض قيودًا على حركة السلع، وتصادر أصول المؤسسات الخاصة، تسببت في خلق بيئة استثمارية منفرة، مما أدى إلى توقف عجلة الإنتاج المحلي والاعتماد الكلي على الاستيراد المدفوع بالعملة الصعبة، والتي تزداد ندرةً يومًا بعد يومٍ.
الاستقرار مرهون بإنهاء “اقتصاد الحرب”
إن استعادة عافية الاقتصاد اليمني لا يمكن أن تتحقق في ظل استمرار سياسات النهب والجبايات التي تتبناها السلطة القائمة في صنعاء وإن ملايين اليمنيين الذين يعتمدون اليوم على “اقتصاد البقاء” والديون والتحويلات الخارجية من المغتربين، لا يمكنهم الصمود للأبد في مواجهة هذا التضخم الجامح.
كما أن المطلوب هو تحول جذري يعيد الاعتبار للعملة الوطنية، ويضمن صرف الرواتب كحق أساسي، ويوفر بيئة تجارية آمنة بعيدًا عن التهديدات والابتزاز، فبدون هذه الإصلاحات الهيكلية، سيظل اليمن رهينة لأزمة إنسانية متفاقمة يدفع ثمنها المواطن البسيط وحده.

