تُعد ظاهرة إفلات المليشيات المسلحة من العقاب في ليبيا واحدة من أكبر المعضلات التي تواجه استقرار البلاد، حيث يجد الليبيون أنفسهم أمام واقع صادم يتصدر فيه متهمون بجرائم حرب وإخفاء قسري للمشهد الأمني والرسمي، وكأن العدالة أصبحت مجرد شعار ترفعه المؤسسات دون القدرة على تطبيقه، مما يعمق أزمة الثقة بين المواطن والدولة، ويجعل من فكرة “سيادة القانون” مطلبًا بعيد المنال في ظل هيمنة القوى المسلحة على مفاصل الدولة.
التناقض الصارخ: ظهور قيادات مطلوبة في محافل رسمية
وشهد شهر يوليو 2026 جدلاً واسعًا في الأوساط الليبية بعد ظهور قيادي مليشياوي مطلوب للعدالة في احتفال رسمي، وهو مشهد اعتبره الكثيرون دليلاً على حالة “ازدواجية المعايير” التي تعاني منها الأجهزة الأمنية، إذ يُتهم هذا القيادي بالتورط في عمليات قتل عمد، وتعذيب، وإخفاء قسري، وهي اتهامات وثقتها منظمات حقوقية بناءً على شهادات حية لناجين من سجون تابعة لمليشيات مسلحة كانت تُدار من قبل هؤلاء المطلوبين، ما يطرح تساؤلات ملحة حول جدية السلطات القضائية في التعامل مع هذه الملفات الثقيلة.
تقارير أممية تدق ناقوس الخطر: جرائم لا تتوقف
وكشفت التقارير الدولية، وأحدثها التقرير الأممي الذي غطى الفترة حتى مارس 2026، عن استمرار نمط الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في ليبيا دون انقطاع، حيث أشار التقرير بوضوح إلى أن المليشيات المسلحة المتورطة في ممارسات التعذيب، والاحتجاز التعسفي، والاتجار بالبشر، والعنف الجنسي، ما تزال خارج إطار المساءلة القانونية، مؤكدًا أن الفشل في اتخاذ خطوات مجدية للحد من هذه الممارسات جعل من الإفلات من العقاب واقعًا وحشيًا يعاني منه المهاجرون والمواطنون الليبيون على حد سواء.
محاكمة “الهيشري” أمام الجنائية الدولية: هل تكون بداية المسار؟
فيما يمثل أول اختراق حقيقي في جدار الإفلات من العقاب، بدأت المحكمة الجنائية الدولية في مايو 2026 جلسات اعتماد التهم ضد “خالد الهيشري”، أحد المسؤولين السابقين في سجن معيتيقة المطلوب بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وتعتبر هذه الخطوة التاريخية، بحسب مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، بداية لمسار أوسع للمساءلة يجب أن يطال كافة المسؤولين عن الجرائم الدولية في ليبيا، بغض النظر عن رتبهم أو مواقعهم الوظيفية، لضمان تحقيق العدالة للضحايا والناجين.
واقع مراكز الاحتجاز: نموذج “رحلة الجحيم”
وثق التقرير العالمي لعام 2026 ظروفًا غير إنسانية داخل مرافق احتجاز تسيطر عليها جماعات مسلحة، حيث يتعرض المحتجزون لانتهاكات ممنهجة تشمل العمل القسري والتعذيب والاعتداء الجنسي، ويشير التقرير إلى أن هذه الممارسات لا تعد مجرد حوادث فردية، بل “نموذجًا للاستغلال يتربح من معاناة البشر”، مما يجعل من إغلاق هذه المراكز غير القانونية وإحالة المسؤولين عنها للعدالة استحقاقًا دوليًا لا يمكن تجاوزه إذا أرادت ليبيا الخروج من نفق الفوضى الأمنية.
تحدي توحيد الأجهزة الأمنية في ظل الانقسام
وتتعقد جهود توحيد الأجهزة الأمنية في ليبيا نتيجة تداخل صلاحيات السلطات الموازية وهيمنة المليشيات على القرار الأمني، حيث سجلت مديرية أمن طرابلس في تقاريرها الصادرة مطلع يوليو 2026 إحالة العشرات من المتهمين والمطلوبين للنيابات، إلا أن هذه الجهود تبدو مقيدة بوجود شبكات مصالح تربط بين قادة المليشيات وبعض مفاصل القرار السياسي، مما يجعل عملية الاعتقال والتحقيق محفوفة بمخاطر “التصفيات” أو الضغوط السياسية التي تعيق مسار العدالة الانتقالية.
لماذا يظل “المطلوبون” في صدارة المشهد؟
ويرى مراقبون، أن بقاء المطلوبين للعدالة في واجهة المشهد الأمني يعود إلى “سياسة الاستيعاب” التي تتبعها الحكومات المتعاقبة لضمان الولاء، حيث يتم دمج عناصر المليشيات في أجهزة الدولة الرسمية تحت مسمى “القوة المساندة” أو “الأمن العام”، مما يمنحهم غطاءً قانونيًا يسهل لهم التملص من الملاحقات القضائية، وهو ما يفرغ مؤسسات الدولة من محتواها الخدمي ويحولها إلى واجهات تديرها أطراف مسلحة ترفض الخضوع لسلطة القانون.
ضريبة الصمت الدولي والمحلي
ويجمع الحقوقيون في ليبيا على أن استمرار هذا الواقع يهدد بانهيار كامل لمؤسسات العدالة، ففي ظل استقطاب سياسي حاد، تظل حقوق الضحايا في معرفة الحقيقة والإنصاف مؤجلة إلى أجل غير مسمى، بينما تكتفي الأطراف الدولية بإصدار بيانات الإدانة دون اتخاذ إجراءات عقابية صارمة ضد المعرقلين لمسار العدالة، الأمر الذي يعزز قناعة المليشيات بأنها فوق القانون، ويجعل من إعادة بناء دولة المؤسسات في ليبيا حلماً بعيد المنال في المدى المنظور.
طريق الخروج: نحو عدالة انتقالية جادة
ولا يمكن لأي استقرار أمني في ليبيا أن يستقيم دون تفكيك البنية التحتية للمليشيات وتقديم المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان إلى محاكمات عادلة وشفافة، سواء داخل ليبيا أو عبر التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، فالحقيقة والمحاسبة هما الحجر الأساس لأي مشروع وطني حقيقي، وبدونهما سيبقى المشهد الأمني الليبي رهينة لأهواء قادة مسلحين، تتصدر أسماؤهم قوائم المطلوبين دوليًا، بينما يتصدرون هم المشهد في الداخل.

