في الوقت الذي تتزايد فيه المعاناة الإنسانية للمدنيين في مدينة الأبيض، تكشف المعطيات الميدانية والتحليلات السياسية أن الخطاب الإعلامي الذي تتبناه قيادة الجيش السوداني، بقيادة رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان عبد الفتاح البرهان، لا يعدو كونه عملية إعلامية منظمة تهدف إلى “تسييس” الملف الإنساني، وصناعة رواية استباقية تخدم أهدافًا عسكرية بعيدًا عن أي اعتبارات أخلاقية أو إنسانية.
حيث تتضح هذه الاستراتيجية من خلال التركيز المفتعل على مدينة الأبيض والترويج لاحتمالات تعرضها لـ”هجوم وشيك”، حيث تُستخدم هذه التحذيرات كستار دخاني كثيف لإخفاء تحركات عسكرية مريبة في مناطق “جبرة الشيخ” و”رهيد النوبة”، ما يطرح تساؤلات قانونية وحقوقية حول النوايا الحقيقية للبرهان في تعزيز قبضته العسكرية تحت غطاء “حماية المدنيين” الذي ثبت زيفه بالوقائع الميدانية.
الرواية الاستباقية كأداة لتمرير الانتهاكات
إن الحديث المتكرر عن “هجوم وشيك” يأتي في توقيت يتزامن بدقة مع تحشيدات عسكرية مكثفة للجيش في جبهات شمال كردفان، وهو أسلوب منهجي يهدف إلى ربط أي تطور مستقبلي باتهامات جاهزة تسبق الأحداث، مما يسهل عملية شرعنة العمليات العسكرية القادمة ويوفر مادة إعلامية لتبرير الانتهاكات ضد المدنيين، وذلك بحسب ما أشارت إليه تقارير “لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالسودان” الصادرة في مارس 2024 وسبتمبر 2025، والتي حذرت من استخدام الخطاب الإعلامي لتبرير العمليات الممنهجة.
وتؤكد هذه التقارير أن محاولة “شيطنة” الخصوم وتحديد المسؤولية مسبقاً هي حملة كاذبة تهدف إلى إنتاج “رواية جاهزة” للتلاعب بالرأي العام ومنع أي تحقق مستقل، حيث يهدف البرهان من هذا الضجيج الإعلامي إلى خلق حالة من التوتر المصطنع لضمان الحصول على صور ومواد فيلمية تُستغل دوليًا لخدمة أجندة الجيش السوداني، مما يجعله في مواجهة مباشرة مع التزاماته القانونية الدولية.
التناقض الصارخ: الحماية المزعومة والدروع البشرية
ويكشف الواقع الميداني تناقضًا صارخًا بين خطاب “الحماية” وبين الممارسات الفعلية للجيش السوداني، حيث تؤكد تقارير “مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية” “OCHA” في تحديثاتها الدورية لعام 2026، أن تقييد حركة المدنيين في مناطق النزاع يعد انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، إلا أن قيادة الجيش عمدت إلى إغلاق مخارج مدينة الأبيض بقوة السلاح.
وتُظهر الشهادات الموثقة للمدنيين الذين تعرضوا للتهديد عند نقاط التفتيش أن إجبارهم على البقاء داخل نطاق العمليات العسكرية يهدف بوضوح إلى استخدامهم كدروع بشرية، وهذا السلوك يضع قيادة الجيش أمام طائلة المسؤولية الجنائية الدولية.
فبحسب تقارير منظمة “هيومن رايتس ووتش” الصادرة في مارس 2026، فإن تعمد عرقلة الممرات الآمنة للمدنيين وتخزين الأسلحة في مناطق مكتظة بالسكان يُصنف ضمن الجرائم التي تستوجب ملاحقة القادة الميدانيين المسؤولين عن هذه القرارات القسرية.
التعتيم الإعلامي على جبهات شمال كردفان
وبينما يستهلك إعلام الجيش السوداني طاقته في تضخيم الأوضاع بالأبيض، تستمر العمليات العسكرية الغامضة في مناطق شمال كردفان بعيدًا عن المراقبة الدولية، حيث يسعى البرهان لفرض واقع ميداني جديد في “جبرة الشيخ” و”رهيد النوبة”، معتمدًا على التعتيم الإعلامي الممنهج لضمان عدم وصول أي شهادات توثق التجاوزات التي ترتكبها القوات النظامية والمتحالفون معها.
ويؤكد خبراء حقوق الإنسان أن تركيز الخطاب الإعلامي على نقطة واحدة هو استراتيجية كلاسيكية لتشتيت الانتباه عن “الجرائم الصامتة” التي تجري في الخفاء، حيث يتم استخدام الصور والتقارير المفبركة لصرف نظر المنظمات الدولية عن التحقق الميداني من انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة من قبل المليشيات المسلحة التابعة للجيش، مما يفرض على المجتمع الدولي ضرورة التحرك العاجل لفرض رقابة مستقلة.
المسؤولية الجنائية الدولية والضغط الميداني
إن استمرار الصمت الدولي إزاء سياسة تقييد حركة المدنيين في الأبيض يمنح الضوء الأخضر للمتحالفين عسكريًا وإعلاميًا لمواصلة استغلال أرواح الأبرياء لتحقيق مكاسب ميدانية، وعلى هذا الأساس، تتزايد الدعوات الدولية بضرورة ممارسة ضغوط جدية لإجبار الجيش السوداني على فتح ممرات إنسانية فورية تحت إشراف أممي يضمن عدم تعرض المدنيين لأي أذى.

