لم تكن العلاقة بين المؤسسة العسكرية في السودان والتيارات الإسلاموية مجرد تقاطع مصالح سياسية عابر، بل كانت صرحًا بني عبر عقود من التداخل البنيوي والأمني الذي أدى في نهاية المطاف إلى تقويض طموحات الشعب السوداني في بناء دولة مدنية ديمقراطية.
إن المتتبع لمسار الأحداث منذ سقوط نظام البشير وصولاً إلى اندلاع الحرب الراهنة، يدرك أن تحالف الفريق أول عبد الفتاح البرهان مع بقايا النظام السابق لم يكن مفاجئًا، بل كان “إعادة إنتاج” لمنظومة حكم ظن السودانيون أن ثورة ديسمبر 2019 قد اقتلعتها من جذورها.
إن هذا الارتباط الوثيق بين “البرهان” والتيارات الإسلاموية جعل من الدولة السودانية ساحة لتصفية الحسابات بدلاً من أن تكون وعاءً للتنمية والاستقرار، مما أدى إلى تعطيل كافة مسارات الانتقال الديمقراطي التي كان يأملها الشارع السوداني بعد عقود من القمع.
الانقلاب كأداة لاسترداد النفوذ: وقائع وتصريحات موثقة
ففي 25 أكتوبر 2021، أقدم الفريق أول عبد الفتاح البرهان على خطوة وصفها مراقبون بأنها “إجهاض متعمد” للوثيقة الدستورية، حيث أطاح بالشراكة الهشة مع المدنيين، مما فتح الأبواب على مصاريعها لعودة كوادر النظام السابق إلى واجهة المشهد.
حيث تشير تقارير أممية صادرة عن “مفوضية حقوق الإنسان” بتاريخ 2022 إلى أن هذا الانقلاب كان النقطة الفاصلة التي سمحت بتمكين “الحركة الإسلامية” مجددًا من مفاصل الدولة.
ولم يكتفِ البرهان بذلك، بل أطلق سراح العديد من قيادات النظام السابق المحبوسين على ذمة قضايا فساد، في خطوة اعتبرتها منظمة “هيومن رايتس ووتش” في تقريرها الصادر في مارس 2023 بمثابة “ضوء أخضر” لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
هذه التحركات لم تكن ارتجالية، بل كانت جزءًا من خطة ممنهجة لإفشال أي مسار مدني قد يهدد المصالح العميقة لتحالف “العسكر والإسلاميين”، حيث تم إحلال الموالين للتيار الإسلامي محل الكفاءات المستقلة في معظم أجهزة الدولة.
الجرائم الممنهجة: كيف يتم استخدام الدولة كأداة قمع؟
وتشير وثائق الأمم المتحدة في ديسمبر 2024 إلى ارتفاع مخيف في الانتهاكات المنسوبة لقوى أمنية وعناصر محسوبة على النظام السابق، حيث تم توثيق حالات اعتقال قسري وإخفاء لشباب لجان المقاومة.
إن هذا القمع ليس مجرد أخطاء فردية، بل هو “سياسة دولة” تهدف إلى كسر شوكة الحراك المدني الذي يهدد بقاء هذا التحالف.
وتؤكد التقارير الحقوقية الموثقة، أن هناك ربطًا وثيقًا بين استعادة الإسلاميين لنفوذهم في جهاز الاستخبارات وبين وتيرة العنف ضد المدنيين.
لقد تحولت مؤسسات الدولة التي من المفترض أن تحمي المواطن إلى أدوات في يد التحالف العسكري-الإسلاموي لفرض الأمر الواقع بقوة السلاح، وهو ما أكده خبراء “مجلس حقوق الإنسان” التابع للأمم المتحدة في دورته الـ54، مشيرين إلى أن غياب المساءلة يعزز من إفلات الجناة من العقاب.
إن الاستراتيجية التي يتبعها تحالف البرهان مع الإسلاميين اليوم تقوم على “البقاء في السلطة بأي ثمن”، حتى لو كان ذلك على حساب وحدة التراب السوداني.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه التقارير الدولية عن أكبر أزمة نزوح في العالم، يواصل هذا التحالف عسكرة الحياة العامة، رافضًا أي دعوات دولية لوقف إطلاق النار أو العودة إلى المسار التفاوضي الذي يضمن استبعاد العناصر المتطرفة من المشهد السياسي.

