في الوقت الذي تتحدث فيه التقارير السياسية عن “بوادر استقرار” في الأراضي السورية لعام 2026، يصطدم الواقع المعيشي بكارثة إنسانية من نوع آخر فقد أعلن برنامج الأغذية العالمي عن قرار هو الأصعب منذ سنوات منها خفض المساعدات الغذائية الطارئة بنسبة 50%، هذا القرار ليس مجرد أرقام في بيان صحفي، بل هو حكم بالجوع على مئات الآلاف من العائلات التي بات رغيف خبزها مهدداً بالاختفاء.
إن معاناة السوريين اليوم لم تعد تقتصر على أصوات المدافع، بل انتقلت إلى طوابير المخابز الفارغة وبيوت تضطر فيها الأمهات لتقليص حصص الطعام اليومية، أو إلغاء وجبات كاملة للبقاء على قيد الحياة، في ظل انعدام حاد للأمن الغذائي يطال أكثر من 7 ملايين شخص.
سقوط “خط الدفاع الأخير”.. توقف دعم المخابز يهدد الملايين
الصدمة الأكبر في التحركات الأخيرة كانت إيقاف برنامج دعم الخبز الذي كان يمد أكثر من 300 مخبز بدقيق القمح المدعم، هذا البرنامج كان يمثل “صمام الأمان” لما يقرب من 4 ملايين سوري يعتمدون بشكل كلي على الخبز المدعوم لتأمين الحد الأدنى من سعراتهم الحرارية.
بفقدان هذا الدعم، يجد المواطن السوري نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما شراء الخبز بأسعار السوق السوداء التي تفوق قدرته الشرائية المنهكة، أو الحرمان من المادة الأساسية الوحيدة المتبقية على مائدته، وإن توقف المخابز يعني حرفيًا تحويل “لقمة العيش” إلى رفاهية لا تطالها أيدي الفقراء، مما ينذر بانفجار اجتماعي ناتج عن الجوع.
مقصلة التمويل الدولي.. سياسات المانحين تزيد من حدة المأساة
ترجع “ماريان وارد”، مديرة مكتب برنامج الأغذية العالمي في سوريا ، هذا التراجع الكارثي إلى “القيود التمويلية” الصارمة. فبينما لم تنخفض الاحتياجات على الأرض، انخفضت شهية الدول المانحة للاستمرار في الدعم.
وقد لعب التغيير في السياسات الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب دورًا محوريًا في هذا الانكماش، حيث أدت عقيدة “تقليص المساعدات الخارجية” إلى تجفيف منابع الإغاثة في أكثر المناطق احتياجًا.
هذا التراجع الدولي لم يقتصر على واشنطن، بل امتد لدول أخرى حذت حذوها، مما أدى إلى تقليص نطاق عمليات البرنامج من 14 محافظة سورية إلى 7 محافظات فقط، تاركًا الملايين في المناطق “المستبعدة” يواجهون مصيرهم وحدهم أمام غلاء الأسعار وشح الموارد.
أرقام مفزعة.. 1.6 مليون سوري في منطقة “الخطر الشديد”
تشير البيانات الصادرة في مايو 2026 إلى أن 650 ألف شخص فقط سيتلقون المساعدات بعد أن كان العدد يتجاوز 1.3 مليون ولكن الأرقام الأكثر رعبًا تكمن في وجود 1.6 مليون شخص يعيشون في ظروف “قاسية للغاية”، وهي المرحلة التي تسبق المجاعة المباشرة.
هذه الأسر بدأت بالفعل في اتباع استراتيجيات قاسية للتكيف، مثل استهلاك وجبات أقل قيمة غذائية أو الاعتماد على الحشائش والحبوب الرديئة، مما يهدد بجيل كامل من الأطفال السوريين الذين سيعانون من سوء التغذية المزمن والتقزم، في ظل صمت دولي مريب تجاه مأساة إنسانية تتفاقم يوميًا.
إن ما يحدث في سوريا اليوم هو “قتل صامت” عبر تجفيف منابع الغذاء. إن استقرار الجبهات العسكرية لا يعني انتهاء الأزمة، بل هو انتقال من حرب الرصاص إلى حرب الأمعاء الخاوية، وإن المجتمع الدولي مطالب اليوم – أكثر من أي وقت مضى- بفصل الملف الإنساني عن التجاذبات السياسية، لأن رغيف الخبز لا يجب أن يكون ورقة تفاوض، والجوع لا يعرف الانتماءات السياسية.

