مع دخول الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية حيز التنفيذ، تتجه إيران نحو مرحلة تُعد من بين الأكثر هشاشة اقتصاديًا وسياسيًا منذ عقود، في ظل تداخل الضغوط الخارجية مع اختلالات داخلية مزمنة، ما يضع المجتمع الإيراني أمام اختبار معقد قد يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والشارع.
وفي وقت تراهن فيه واشنطن على أن تشديد الضغوط الاقتصادية سيُسرّع من تعديل السلوك التفاوضي لطهران، فإن الكلفة الأكبر تبدو داخلية بالدرجة الأولى، إذ يتحمل المواطن الإيراني العبء المباشر لأزمة لم تعد تقتصر على الاقتصاد، بل امتدت لتلامس الاستقرار الاجتماعي والمعيشي بصورة يومية متصاعدة.
تضخم قياسي وتآكل القدرة الشرائية
تُظهر المؤشرات الاقتصادية عمق الأزمة التي تعيشها البلاد، مع تسجيل معدلات تضخم تُعد من بين الأعلى عالميًا.
ووفق مركز الإحصاء الإيراني، بلغ التضخم السنوي 50.6% في فبراير 2026، بينما وصل التضخم النقطي إلى 71.8%.
في المقابل، قدّر البنك المركزي الإيراني التضخم السنوي بنحو 48.3% والنقطي عند 62.1%، ما يعكس اختلافًا في التقديرات لكنه يؤكد الاتجاه العام للأزمة.
الأخطر يظهر في أسعار الغذاء، حيث تجاوز تضخم المواد الغذائية 112% في مارس 2026، ما يعني انتقال الأزمة من كونها مالية إلى أزمة معيشية مباشرة. ووفق هذه الأرقام، باتت الأسر الإيرانية تدفع أكثر من ضعف ما كانت تدفعه قبل عام للحصول على السلع الأساسية.
كما تشير تقديرات غير رسمية إلى زيادات تتراوح بين 70% و105%، بينما قفزت أسعار الخبز والحبوب بنحو 140%، في وقت أصبحت فيه اللحوم خارج القدرة الشرائية لشريحة واسعة من المواطنين.
تراجع العملة وارتفاع تكاليف المعيشة
في موازاة ذلك، يواصل التومان الإيراني تراجعه الحاد، متجاوزًا 158 ألف تومان مقابل الدولار في أبريل 2026، ما أدى إلى تآكل الثقة في العملة المحلية ورفع كلفة الاستيراد بشكل كبير.
ورغم إعلان رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 60%، إلا أن هذه الزيادة تبقى غير كافية لمواكبة التضخم المتسارع، في ظل تقديرات تشير إلى أن تكلفة المعيشة الشهرية قد تتجاوز 75 مليون تومان، ما يضع شريحة واسعة من الإيرانيين خارج مظلة الأمان الاقتصادي.
أزمة الإسكان تتفاقم
لم يسلم قطاع الإسكان من تداعيات الأزمة، بل تحول إلى أحد أبرز مظاهرها. فقد شهدت سوق الإيجارات في طهران تحولًا لافتًا، حيث ارتفعت نسبة الدفعات المقدمة إلى 80% من إجمالي الإيجار، مقابل 20% للإيجار الشهري، في مؤشر يعكس أزمة سيولة متفاقمة وانعدام استقرار نقدي يضغط على الأسر المتوسطة والفقيرة.
بطالة متزايدة واحتمالات انهيار اقتصادي
تتسع الأزمة مع ارتفاع معدلات البطالة، خصوصًا في القطاعات الهشة مثل البناء والخدمات والنقل. وتشير تقديرات خبراء إلى احتمال فقدان نحو مليوني وظيفة، ما يعكس هشاشة سوق العمل أمام الصدمات الخارجية.
وتحذر دراسات اقتصادية من سيناريو أكثر قتامة، يتمثل في دخول الاقتصاد مرحلة تضخم ثلاثي الأرقام قد يصل إلى 120% سنويًا، مع تضخم نقطي قد يبلغ 141%، ما ينذر باضطراب واسع في البنية الاقتصادية.
وفي هذا السياق، يُتوقع ارتفاع معدلات الفقر بشكل حاد، لتتجاوز المستويات السابقة التي تراوحت بين 22% و50%، مع تآكل الطبقة الوسطى وانزلاق شرائح جديدة إلى دائرة الفقر.
احتقان شعبي ومخاوف من انفجار اجتماعي
لا تقتصر تداعيات الأزمة على المؤشرات الاقتصادية، بل تمتد إلى المزاج الشعبي، حيث يتزايد الاحتقان مع تراجع القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية.
ويُحذر مراقبون من أن تزامن التضخم المرتفع مع البطالة المتزايدة قد يخلق بيئة قابلة للانفجار الاجتماعي، خصوصًا في ظل تجارب احتجاجية سابقة شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.

