تشير التقارير الاستخباراتية والتحليلات الميدانية إلى أن الحرس الثوري الإيراني قد نجح في بناء شبكة لوجستية معقدة وشديدة السرية تمتد على كامل الخارطة العراقية، بدءًا من أقصى الجنوب في البصرة وصولاً إلى صحراء الأنبار في الغرب.
هذه الشبكة لا تقتصر فقط على الجوانب العسكرية التقليدية، بل تتعداها لتشمل مراكز إدارة طائرات مسيرة، ومخازن للصواريخ الباليستية قصيرة المدى، وورشًا للتطوير الفني تدار مباشرة من قبل مستشارين رفيعي المستوى في فيلق القدس.
إن إصرار الحرس الثوري على إدارة هذه القواعد بنفسه، أو عبر إشراف مباشر على فصائل موالية له، يعكس رغبة طهران في تحويل العراق إلى ساحة متقدمة للدفاع عن أمنها القومي، واستخدام أراضيه كمنصة لإطلاق الرسائل السياسية والعسكرية باتجاه الخصوم الإقليميين والدوليين، بعيدًا عن أراضيها المباشرة لتجنب أي ردود فعل انتقامية مباشرة على الداخل الإيراني.
وتعتمد خرائط النفوذ السري هذه على استغلال الثغرات الأمنية في المناطق الحدودية والغطاء الذي توفره بعض التشكيلات المسلحة التي تغلغلت في مفاصل الدولة العراقية؛ مما يوفر للحرس الثوري حصانة من الملاحقة القانونية أو الاستهداف العسكري التقليدي.
ففي البصرة، تسيطر وحدات مرتبطة بالحرس الثوري على ممرات مائية وبرية حيوية تُستخدم لتهريب المعدات التقنية الدقيقة والأسلحة النوعية التي تدخل تحت غطاء بضائع تجارية أو معدات إعادة إعمار.
ومن البصرة، تنتقل هذه الشحنات عبر طرق برية مؤمنة إلى قواعد لوجستية في بابل وصلاح الدين، وصولاً إلى الأنبار التي أصبحت تشكل اليوم “الرئة العسكرية” للحرس الثوري، حيث توفر طبيعتها الجغرافية الوعرة مساحة مثالية لإقامة منصات إطلاق مخفية ومراكز قيادة وسيطرة محصنة تحت الأرض، تدار بعقول إيرانية وتنفذ بأدوات محلية تابعة لمحور “وحدة الساحات”.
من المشورة إلى القيادة الميدانية
تجاوز دور الحرس الثوري الإيراني في العراق مرحلة تقديم المشورة العسكرية التي كان يتذرع بها في سنوات السابقة، لينتقل إلى مرحلة القيادة الفعلية والمباشرة للعمليات الحربية والأمنية. وتكشف المعلومات المسربة عن وجود “غرف عمليات مشتركة” دائمة الانعقاد في بغداد وشمال بابل، يترأسها ضباط كبار من فيلق القدس، حيث يتم رسم الخطط العسكرية وتحديد الأهداف وتوزيع المهام على الفصائل المسلحة دون الرجوع في كثير من الأحيان إلى القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية.
هذا الانتقال من “المشورة” إلى “القيادة” يمثل اختراقًا سياديًا كبيرًا، حيث أصبحت القرارات الأمنية الكبرى المتعلقة بالهجمات بالمسيرات أو تحركات القوات في المناطق الاستراتيجية تصدر من طهران وتنفذ في العراق، مما يجعل الدولة العراقية رهينة لأجندات خارجية تهدف إلى استنزاف الخصوم وتثبيت النفوذ الإيراني كقوة أمر واقع لا يمكن تجاوزها في أي تسوية إقليمية.
شبكة القواعد اللوجستية وسلاسل التوريد
تمثل شبكة القواعد اللوجستية التي يديرها الحرس الثوري من البصرة إلى الأنبار العمود الفقري لما يعرف بـ “الجسر البري” الذي يربط طهران بالبحر المتوسط عبر العراق وسوريا.
هذه القواعد ليست مجرد ثكنات عسكرية، بل هي مراكز إمداد متطورة تضم وحدات متخصصة في الحرب الإلكترونية، وتجميع الطائرات الانتحارية، وتعديل الصواريخ لزيادة دقتها ومدياتها.
وفي محافظة الأنبار على وجه الخصوص، استطاع الحرس الثوري تحويل مناطق قريبة من الحدود السورية إلى مناطق عسكرية مغلقة يُمنع على القوات الرسمية العراقية دخولها في كثير من الأحيان إلا بتنسيق مسبق ومعقد.
وتعمل هذه القواعد كأماكن استراحة وتزود بالوقود والسلاح للمجموعات العابرة للحدود، مما يضمن تدفقًا مستمرًا للإمدادات العسكرية والبشرية نحو الجبهات المشتعلة، ويؤكد أن العراق قد تحول في استراتيجية الحرس الثوري إلى “منطقة ارتكاز” لا يمكن الاستغناء عنها.
تداعيات النفوذ الإيراني
إن استمرار الحرس الثوري في إدارة حربه من داخل العراق يضع بغداد في مأزق دبلوماسي وأمني حرج أمام المجتمع الدولي، حيث تظهر الحكومة العراقية في كثير من الأحيان بمظهر العاجز عن كبح جماح هذه التحركات التي تنتهك السيادة الوطنية وتعرقل جهود الاستقرار.
فالسيطرة الإيرانية على القواعد اللوجستية تعني التحكم في قرار الحرب والسلم داخل العراق، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية، مما يعرض البنية التحتية والمواطنين العراقيين لمخاطر الردود العسكرية الخارجية.
كما أن هذا النفوذ السري يساهم في إضعاف المؤسسات العسكرية الرسمية عبر خلق كيانات موازية تمتلك تسليحًا وتدريبًا يفوق أحيانًا ما تمتلكه القوات النظامية، مما يهدد وحدة الدولة ومستقبلها السياسي على المدى الطويل.

