يمر العراق بمنعطف تاريخي هو الأخطر منذ عقود، حيث تزايدت حدة التوترات بين مؤسسات الدولة الرسمية وبين الكيانات المسلحة الموازية التي تدين بالولاء العقائدي والسياسي لطهران.
إن سلوك هذه الميليشيات لم يعد يقتصر على زعزعة الأمن الداخلي فحسب، بل امتد ليشكل تهديدًا وجوديًا لعلاقات العراق الخارجية، محولاً البلاد من فاعل إقليمي يسعى للتوازن إلى مجرد “ورقة ضغط” تستخدمها إيران في مفاوضاتها الدولية وصراعاتها الإقليمية، مما يضع بغداد في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، ويهدد بعزلها عن محيطها العربي والدولي نتيجة تصرفات فصائل تعمل خارج إطار القانون والدستور.
تآكل السيادة والقرار المختطف
إن المتأمل في المشهد السياسي العراقي يدرك أن الميليشيات الموالية لإيران نجحت في خلق نظام موازٍ للدولة، حيث تمتلك هذه الفصائل أسلحة متطورة تشمل طائرات مسيرة وصواريخ باليستية، تستخدمها في تنفيذ أجندات لا تخدم المصالح الوطنية العراقية، هذا “الاختطاف” للقرار السيادي جعل الحكومة العراقية تظهر بمظهر الضعيف العاجز عن الوفاء بالتزاماته الدولية، خاصة فيما يتعلق بحماية البعثات الدبلوماسية والمستشارين الدوليين، وإن الهجمات المتكررة التي تشنها هذه الميليشيات تحت مسميات وهمية تهدف بالأساس إلى إحراج الدولة العراقية وإظهارها كبيئة غير آمنة، مما يدفع الدول الكبرى والشركات العالمية إلى إعادة النظر في شراكاتها مع بغداد، وهو ما يخدم في النهاية استراتيجية طهران في إبقاء العراق ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.
تدمير الجسور مع المحيط العربي
وبذل العراق جهودًا مضنية في السنوات الأخيرة للعودة إلى حاضنته العربية وتعزيز التعاون الاقتصادي مع دول الخليج والأردن ومصر، إلا أن هذا الانفتاح قوبل بهجوم شرس من قبل الأذرع الإيرانية داخل العراق، تعمل هذه الميليشيات عبر ماكيناتها الإعلامية وتحركاتها الميدانية على تخوين أي تقارب عراقي-عربي، بل ووصل الأمر إلى تهديد الدول المجاورة من فوق الأراضي العراقية.
هذا السلوك العدائي أدى إلى تراجع زخم الاستثمارات العربية وخلق حالة من الريبة لدى القادة العرب حول قدرة الحكومة في بغداد على لجم هذه الفصائل، وإن إيران تسعى من خلال وكلائها إلى ضمان بقاء العراق تابعًا اقتصاديًا لها فقط، ومنع أي تكامل اقتصادي عراقي مع المحيط العربي قد يمنح بغداد استقلالية حقيقية بعيدًا عن الهيمنة الفارسية.
العراق في عين العاصفة الدولية
على الصعيد الدولي، تسبب سلوك الميليشيات في وضع العراق تحت مجهر المراقبة الدولية السلبية، حيث أصبحت التقارير الأممية والدولية تشير بوضوح إلى “الدور التخريبي” لهذه الجماعات في زعزعة استقرار المنطقة.
إن إصرار الميليشيات على إقحام العراق في صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل، مثل الصراع الإيراني-الإسرائيلي أو التوترات في البحر الأحمر، يجعل من العراق هدفًا محتملاً لضربات انتقامية دولية، هذا الانزلاق نحو “وحدة الساحات” التي تروج لها طهران يعني ببساطة تقديم السيادة العراقية قربانًا للمصالح الإيرانية، مما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى فرض عقوبات اقتصادية وسياسية على العراق، تعيده إلى مربع العزلة الذي عاشه في تسعينيات القرن الماضي، وهو ما يمثل انتحارًا دبلوماسيًا واقتصاديًا بكل المقاييس.
سيناريوهات الانزلاق نحو الهاوية
تتعدد سيناريوهات الانزلاق التي قد يواجهها العراق بسبب تعنت هذه الميليشيات، ففي حال استمرار تغول السلاح المنفلت، قد نرى انسحابًا كاملاً للبعثات الدبلوماسية الغربية من بغداد، مما يعني فقدان العراق لغطاء شرعي ودولي مهم في مواجهة الأطماع الإقليمية.
كما أن تحول العراق إلى منصة للهجمات العابرة للحدود قد يجر البلاد إلى حرب شاملة لا طاقة للجيش العراقي النظامي على تحمل تبعاتها، فضلاً عن احتمالية حدوث صدام داخلي مسلح بين القوى الوطنية الرافضة للتبعية وبين تلك الميليشيات، وهو السيناريو الذي تخشاه الأوساط الشعبية التي خرجت في تظاهرات عارمة تنادي بـ “العراق أولاً” وترفض تحويل بلادها إلى بريد دموي لإرسال الرسائل الإيرانية.
ضرورة الاستعادة الوطنية للسيادة
إن استعادة هيبة الدولة العراقية وتصحيح مسار علاقاتها الخارجية يتطلب موقفًا وطنيًا حازمًا يتجاوز لغة البيانات والتنديد، يجب على القوى السياسية العراقية والفاعلين الاجتماعيين الضغط باتجاه تفكيك هذه الكيانات المسلحة أو دمجها الحقيقي وغير المشروط تحت قيادة القائد العام للقوات المسلحة، مع قطع خطوط الإمداد المالي والسياسي التي تربطها بطهران، وإن العالم لن ينتظر العراق طويلاً حتى يرتب بيته الداخلي، والاستمرار في منح الميليشيات غطاءً سياسيًا أو شرعيًا تحت أي مسمى يعني المشاركة في تدمير مستقبل البلاد، إن مصلحة العراق تكمن في أن يكون دولة مؤسسات، يحترم جيرانه ويلتزم بتعهداته، لا أن يكون “ولاية” تابعة لنفوذ خارجي يضحي بالعراقيين من أجل بقاء نظامه في طهران.

