ما تزال قضية «المرتزقة» والقوات الأجنبية تمثل واحدة من أعقد الملفات التي تعيق استقرار ليبيا، وتُبقي البلاد رهينة توازنات إقليمية ودولية متشابكة، في ظل غياب تسوية سياسية شاملة تنهي حالة الانقسام المستمرة منذ سنوات.
حضور ممتد رغم توقف المعارك
على الرغم من تراجع العمليات العسكرية الكبرى منذ عام 2020، فإن آثار الحرب ما تزال حاضرة بقوة، خصوصًا عبر استمرار انتشار المقاتلين الأجانب في مناطق مختلفة من البلاد.
وقد أفرزت المعارك، خاصة تلك التي دارت حول العاصمة طرابلس، واقعًا جديدًا عزّز من اعتماد الأطراف الليبية على دعم خارجي عسكري مباشر وغير مباشر.
وتشير التقديرات إلى تمركز عناصر أجنبية في مناطق استراتيجية، أبرزها وسط ليبيا ومحيط المنشآت النفطية، في حين ينتشر آخرون في مدن الغرب، ما يعكس استمرار الانقسام الجغرافي والسياسي بين شرق البلاد وغربها.
صراع نفوذ دولي على الأرض الليبية
تحوّلت ليبيا إلى ساحة تنافس بين قوى دولية، حيث يرتبط وجود المرتزقة بمصالح دولية متعارضة، أبرزها الروسية والتركية. ففي حين تعتمد قوات شرق ليبيا على عناصر تابعة لشركات عسكرية خاصة روسية، تستند حكومة الغرب إلى دعم عسكري تركي، إلى جانب مقاتلين أجانب تم استقدامهم خلال سنوات النزاع.
هذا التداخل جعل ملف «المرتزقة» جزءًا من لعبة توازنات دولية، إذ تخضع مسألة انسحابهم لمساومات غير معلنة بين القوى الكبرى، ما يعقّد أي مسار لحل سريع أو حاسم.
عقبة أمام التسوية السياسية
يمثل استمرار وجود المقاتلين الأجانب عائقًا رئيسيًا أمام إجراء الانتخابات وتوحيد المؤسسات. فغياب الثقة بين الأطراف الليبية يتعزز مع بقاء هذه القوات، التي يُنظر إليها كأداة ضغط وضمانة نفوذ لكل طرف.
ويرى مراقبون، أن أحد أبرز أسباب تعثر خروج المرتزقة هو عدم التوصل إلى اتفاق سياسي نهائي، إلى جانب تمسك القوى المحلية بمواقعها الحالية، واستمرار حالة «اللا حرب واللا سلم» التي تُبقي الوضع مفتوحًا على كل الاحتمالات.
تداعيات أمنية عابرة للحدود
و لا تقتصر مخاطر المرتزقة على الداخل الليبي، بل تمتد إلى دول الجوار، حيث يُخشى من انتقال هؤلاء المقاتلين إلى بؤر توتر أخرى في أفريقيا.
كما أن انتشار السلاح وغياب الرقابة يهددان بتغذية شبكات التهريب والجماعات المسلحة في المنطقة.
وتحذر تقارير دولية من أن استمرار هذا الوضع قد يُعيد إنتاج دورات جديدة من العنف، ويُبقي ليبيا مصدرًا لعدم الاستقرار الإقليمي.
محاولات أممية محدودة النتائج
سعت اللجنة العسكرية المشتركة «5+5» برعاية أممية إلى وضع آليات لسحب المرتزقة وتبادل المعلومات بشأنهم، في إطار جهود تثبيت وقف إطلاق النار.
إلا أن هذه المبادرات لم تحقق تقدمًا ملموسًا حتى الآن، بسبب تعقيدات المشهد الداخلي وتضارب المصالح الخارجية.
مستقبل مرهون بالحل السياسي يبقى إنهاء ملف المرتزقة مرتبطًا بشكل مباشر بإنجاز تسوية سياسية شاملة، تفضي إلى انتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة. فبدون سلطة مركزية قوية تحظى بشرعية واسعة، سيظل الوجود الأجنبي عاملًا ضاغطًا يُثقل كاهل الدولة ويؤخر تعافيها.

