تمثل الدعوة التي أطلقها الرئيس التونسي قيس سعيد لمراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي نقطة تحول جوهرية في الدبلوماسية التونسية، حيث تأتي هذه الخطوة في سياق سياسي محلي ودولي مشحون برغبة حثيثة في استعادة السيادة الوطنية والتحرر من القيود الاقتصادية التي يراها الجانب التونسي مجحفة بحق منتجيه وصناعييه الوطنيين منذ عقود.
إن الاتصال الهاتفي الأخير بين الرئيس سعيد ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، بمناسبة الذكرى السبعين لاستقلال تونس، لم يكن مجرد مناسبة بروتوكولية، بل حمل في طياته رسائل سياسية واضحة مفادها أن تونس 2026 لم تعد تقبل بصيغ الشراكة التقليدية التي وضعت في تسعينيات القرن الماضي تحت ظروف اقتصادية وجيوسياسية مغايرة تمامًا، مما يضع الاتحاد الأوروبي أمام تحدي الحفاظ على شريكه الاستراتيجي الأبرز في جنوب المتوسط مع ضرورة تقديم تنازلات تضمن توازنًا حقيقيًا في المصالح، بعيدًا عن منطق المساعدات المشروطة أو الهيمنة التجارية التي أدت بمرور الوقت إلى تعميق العجز التجاري التونسي وتآكل النسيج الصناعي الصغير والمتوسط.
معضلة التكافؤ الاقتصادي في اتفاقية 1995
تستند المطالب التونسية بالمراجعة إلى حقائق رقمية واقتصادية تراكمت على مدار أكثر من ثلاثين عامًا، حيث يرى خبراء الاقتصاد في تونس، أن اتفاقية الشراكة لعام 1995، التي دخلت حيز التنفيذ في 1998، ركزت بشكل مفرط على فتح الأسواق التونسية أمام المنتجات الصناعية الأوروبية دون منح ميزات تنافسية موازية للمنتجات الفلاحية والخدماتية التونسية؛ مما خلق حالة من عدم التكافؤ البنيوي.
فرغم أن الاتحاد الأوروبي يستوعب نحو 70% من الصادرات التونسية، إلا أن هذه الصادرات تتركز في قطاعات ذات قيمة مضافة منخفضة أو تعتمد على نظام “المناولة”، في حين تتدفق السلع الأوروبية عالية التقنية والجودة إلى السوق التونسية متمتعة بإعفاءات جمركية واسعة، وهو ما أضعف القدرة الشرائية للعملة المحلية وأدى إلى ارتباك في الموازنة العامة للدولة.
إن السعي التونسي اليوم نحو الندية يعني بالضرورة إعادة النظر في بنود النفاذ إلى الأسواق، وتسهيل انتقال التكنولوجيا، ودعم الاستثمارات المباشرة في القطاعات الواعدة مثل الطاقة المتجددة والرقمنة، لضمان أن تكون الشراكة رافعة حقيقية للنمو وليست مجرد إطار قانوني لتصريف الفائض الأوروبي في الأسواق التونسية.
ملف الهجرة كورقة ضغط في المفاوضات القادمة
لا يمكن فصل الدعوة لمراجعة الشراكة الاقتصادية عن الملف الشائك والأكثر تعقيدًا في العلاقات التونسية الأوروبية وهو ملف الهجرة غير النظامية، حيث باتت تونس تمثل حجر الزاوية في استراتيجية “صد التدفقات” نحو القارة العجوز.
إن مذكرة التفاهم الاستراتيجية الموقعة في 2023 كانت خطوة أولى نحو ربط الدعم الاقتصادي بالتعاون الأمني، لكن تونس تدرك اليوم أن الأعباء التي تتحملها جراء تدفق آلاف المهاجرين من دول جنوب الصحراء تتجاوز بكثير حجم المساعدات المالية المقدمة من بروكسل، وهو ما يفسر إصرار الرئيس قيس سعيد على أن تكون المراجعة “شاملة ومنصفة”.
تونس ترفض أن تلعب دور “حارس الحدود” دون مقابل تنموي حقيقي يعالج جذور الأزمة، وهي تسعى من خلال رسائل قرطاج إلى تحويل ملف الهجرة من مجرد هاجس أمني أوروبي إلى مشروع تنموي مشترك يهدف إلى توطين الاستثمارات في تونس وخلق فرص عمل للشباب، مما يقلل من دوافع الهجرة ويحقق استقرارًا اجتماعيًا يسهم في تعزيز الأمن القومي للطرفين على حد سواء.
تحديات المسار التفاوضي وفرص النجاح
رغم القوة الخطابية التي تتسم بها المبادرة التونسية، إلا أن طريق المراجعة محفوف بالتحديات، لا سيما في ظل البيروقراطية المعقدة للاتحاد الأوروبي الذي يتعامل مع 27 دولة ذات مصالح متباينة، مما قد يجعل عملية إعادة صياغة الاتفاقية تستغرق وقتًا طويلاً قد لا يتحمله الاقتصاد التونسي المرهق.
كما أن هناك مخاوف من أن تؤدي الضغوط التونسية إلى رد فعل أوروبي انكماشي قد يؤثر على انسيابية الصادرات الحالية، خاصة في قطاع النسيج ومكونات السيارات.
ومع ذلك، فإن حاجة أوروبا لتأمين موارد الطاقة البديلة مثل الهيدروجين الأخضر من شمال إفريقيا، ورغبتها في تقليص النفوذ المتزايد للقوى الدولية المنافسة مثل الصين وروسيا في المنطقة، تمنح تونس فرصة تاريخية للمناورة وتحقيق مكاسب استراتيجية.
إن النجاح في هذه المهمة يتطلب بناء جبهة داخلية قوية، وتقديم رؤية اقتصادية متكاملة تتجاوز الشعارات السياسية، لتكون المفاوضات مبنية على دراسات جدوى دقيقة وقدرة تفاوضية عالية تستفيد من الموقع الجيوسياسي الفريد لتونس كبوابة للقارة الإفريقية وجار موثوق للقارة الأوروبية.
مستقبل العلاقة بين الندية والتعاون الاستراتيجي
في نهاية المطاف، يبقى التساؤل حول مدى قدرة تونس على تحويل “رسائل قرطاج” إلى واقع ملموس يغير من موازين القوى الاقتصادية مع الشريك الأوروبي، حيث يرى المراقبون أن الفترة القادمة ستشهد جولات تفاوضية عسيرة تتمحور حول “التوازن والإنصاف”.
إن تونس التي تحتفل بسبعينية استقلالها تسعى اليوم لتتويج هذا الاستقلال السياسي بسيادة اقتصادية كاملة تضمن لها الحق في حماية قطاعاتها الحيوية وإعادة رسم خارطة علاقاتها الدولية بما يخدم مصالح شعبها أولاً.
وإن نجاح تونس في فرض شروط جديدة سيمثل نموذجًا ملهمًا لدول جنوب المتوسط في كيفية التعامل مع الاتحاد الأوروبي بعيدًا عن عقلية “المانح والمتلقي”، لتتحول العلاقة إلى شراكة حقيقية بين ضفتي المتوسط تقوم على الاحترام المتبادل، والتبادل الحر العادل، والتعاون الأمني الذي لا يمس بالكرامة الوطنية، مما يؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والازدهار المشترك الذي ينشده الجميع في ظل عالم تتشكل فيه التحالفات من جديد على أسس مصلحية بحتة.

