تمثل قضية سلاح الفصائل المسلحة في العراق حجر الزاوية في بناء أي استقرار سياسي أو أمني مستدام، خاصة مع إعلان بغداد الدخول في مرحلة “الانفصال المبكر” عن مهام التحالف الدولي وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي على أراضيها.
حيث يضع هذا التحول الاستراتيجي الدولة العراقية أمام اختبار تاريخي يتعلق بمدى قدرتها على فرض سيادتها واحتكار العنف المشروع بيد مؤسساتها الدستورية فقط.
إن الجدل الدائر اليوم يتجاوز مجرد رحيل الجندي الأمريكي، ليطرح تساؤلاً جوهريًا حول مصير التشكيلات المسلحة التي اتخذت من وجود التحالف الدولي ذريعة لبقاء سلاحها خارج إطار الدولة تحت مسمى “المقاومة”، وهو ما يضع الحكومة المركزية في مأزق حقيقي بين ضرورة تفكيك هذه المجموعات لضمان عدم وجود “دولة داخل الدولة” وبين الضغوط السياسية التي تمارسها أطراف ترى في هذه الفصائل ركيزة أساسية لحماية النظام السياسي الحالي ضد أي تهديدات داخلية أو خارجية محتملة.
جدلية المبرر والواقع بعد رحيل القوات الدولية
لقد ارتبط وجود الفصائل المسلحة لسنوات طويلة بوجود “عدو خارجي” متمثل في قوات التحالف، مما منحها غطاءً شعبيًا وسياسيًا لممارسة أدوار تتجاوز الجانب الأمني إلى التدخل في الشؤون السياسية والاقتصادية، ولكن مع زوال هذا المبرر رسميًا، تبرز معضلة “الدمج” كخيار يحمل في طياته مخاطر هيكلية قد تؤدي إلى تغلغل العقائد الحزبية داخل المؤسسة العسكرية النظامية.
إن دمج هذه الفصائل بشكل كلي ودون غربلة أمنية دقيقة قد يضعف هيبة الجيش العراقي ويجعله عرضة للاستقطابات الطائفية والسياسية، بينما يرى آخرون أن هذا الدمج هو السبيل الوحيد لتفادي المواجهة المسلحة المباشرة التي قد تندلع إذا ما حاولت الدولة نزع السلاح بالقوة، خاصة وأن هذه الفصائل تمتلك ترسانات عسكرية متطورة وشبكات مصالح مالية متشعبة تجعل من عملية تحجيمها أمراً يتطلب جرأة سياسية غير مسبوقة وإجماعًا وطنيًا ما يزال غائبًا حتى اللحظة.
سيناريو المواجهة المكتومة وتحديات فرض القانون
في المقابل، تلوح في الأفق بوادر “مواجهة صامتة” بين الحكومة والمجموعات المسلحة التي ترفض الانصياع الكامل لأوامر القائد العام للقوات المسلحة، حيث يرى المراقبون أن غياب التحالف الدولي قد يجرئ بعض الفصائل على فرض إرادتها بقوة السلاح في مناطق النزاع أو المراكز الحيوية، مما قد يحول الصراع من “سياسي-دبلوماسي” إلى “ميداني-مباشر”.
إن الدولة العراقية اليوم مطالبة بإثبات كفاءة أجهزتها الاستخباراتية وقواتها النخبوية في ضبط الأمن الداخلي ومنع الهجمات العابرة للحدود التي قد تنطلق من أراضيها، لأن الفشل في لجم السلاح المنفلت بعد انسحاب التحالف سيعطي انطباعًا دوليًا بأن العراق قد وقع فريسة للفوضى المسلحة، وهو ما سيعيق مسارات الاستثمار الأجنبي ويجعل البلاد عرضة لعقوبات دولية أو ضربات إقليمية وقائية تستهدف هذه المجموعات بعيدًا عن سيادة الدولة المهتزة.
بناء العقيدة العسكرية الموحدة في عراق السيادة
وإن الحل الجذري لهذه المعضلة لا يكمن فقط في الإجراءات الإدارية للدمج أو التفكيك، بل في إعادة صياغة “العقيدة العسكرية” العراقية بحيث تكون الولاءات محصورة بالوطن والدستور فقط، بعيدًا عن المرجعيات الحزبية أو الأيديولوجية التي تستمد منها بعض الفصائل قوتها المعنوية.
تتطلب هذه المرحلة الانتقالية تفعيل قوانين صارمة تمنع الأحزاب السياسية من امتلاك أجنحة مسلحة، مع ضرورة تقوية جهاز مكافحة الإرهاب والجيش وتزويدهم بالتقنيات الحديثة التي كان يوفرها التحالف الدولي، لضمان عدم وجود فجوة أمنية تستغلها خلايا داعش أو الفصائل المتمردة.
إن نجاح العراق في طي صفحة “السلاح الموازي” سيعني ولادة حقيقية لجمهورية مستقرة، بينما سيعني الفشل استمرار حالة النزيف السيادي الذي يهدد وحدة البلاد واستقلال قرارها الوطني في محيط إقليمي مضطرب لا يرحم الضعفاء.
آفاق الاستقرار بين الرؤية الحكومية وضغوط الواقع
تتجه الأنظار الآن نحو قدرة رئيس الحكومة والقوى السياسية المعتدلة على إدارة ملف “الإصلاح الأمني” بحكمة توازن بين احتواء الفصائل التي شاركت في الحرب ضد الإرهاب وبين تحجيم تلك التي تسعى لفرض أجندات خارجية، حيث يمثل التوافق الوطني على “حصر السلاح” المخرج الوحيد لتجنب سيناريو الحرب الأهلية أو التفتت المؤسسي.
إن استعادة هيبة الدولة تتطلب توفير بدائل اقتصادية واجتماعية للمنخرطين في هذه الفصائل لضمان عدم عودتهم للسلاح تحت وطأة الحاجة، مع ضرورة الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الكبرى تضمن استمرار الدعم الفني والتدريبي للجيش العراقي بعيدًا عن الوجود القتالي المباشر، لتكون خطوة “الانفصال عن التحالف” بداية لبناء دولة قوية قادرة على حماية شعبها وفرض القانون على الجميع دون استثناء أو محاباة لأي جهة مسلحة مهما بلغت سطوتها.

