ذات صلة

جمع

رسائل قرطاج.. هل تنجح تونس في فرض شروط جديدة على الشريك الأوروبي؟

تمثل الدعوة التي أطلقها الرئيس التونسي قيس سعيد لمراجعة...

التنمية كمدخل للحل.. هل تنجح “عقيدة الخدمات” في توحيد مؤسسات ليبيا؟

تعد معضلة الشرعية والخدمات في الدولة الليبية واحدة من...

أذرع طهران في بيروت.. كيف يمول الحرس الثوري الإيراني الفوضى على حساب الدولة اللبنانية؟

تمثل الهيكلية التنفيذية للحرس الثوري الإيراني في لبنان، وتحديدًا...

دبلوماسية “الخنادق”.. كيف أفسدت علاقة البرهان بالإخوان تحالفات السودان الاستراتيجية؟

تشهد الساحة السودانية منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل تحولات دراماتيكية لم تقتصر على الميدان العسكري فحسب، بل امتدت لتشمل إعادة صياغة كاملة لعلاقات السودان الإقليمية والدولية بناءً على التحالفات الجديدة التي نسجها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان مع عناصر النظام السابق والحركة الإسلامية.

إن العودة العلنية لرموز الإخوان المسلمين “المعروفين محليًا بالكيزان” إلى صدارة المشهد السياسي والعسكري من خلال “كتائب الظل” والمستنفرين، أعادت إلى الأذهان حقبة الثلاثين عامًا الماضية التي اتسمت بالتوتر والصدام مع المحيط الإقليمي، خاصة مع الدول التي تتبنى سياسات حازمة تجاه تمدد الإسلام السياسي.

وقالت مصادر: إن هذه العودة لم تكن مجرد ضرورة عسكرية لتعويض النقص في القوة البشرية للجيش، بل تحولت إلى استراتيجية سياسية جعلت من قرار الدولة السودانية رهينة لأجندة تنظيم يسعى لاستعادة السلطة بأي ثمن، مما وضع البرهان في مواجهة مباشرة مع القوى الإقليمية الفاعلة التي ترى في استنساخ تجربة “الإنقاذ” تهديدًا مباشرًا لأمن واستقرار المنطقة العربية والأفريقية على حد سواء.

تداعيات التغلغل الإخواني في مفاصل القرار العسكري

لقد نجحت الحركة الإسلامية في التسلل إلى عمق المؤسسة العسكرية مستغلة حالة الحرب لتفرض نفسها كلاعب أساسي لا يمكن تجاوزه، وهو ما تجلى في تعيين كوادر محسوبة على النظام البائد في مناصب دبلوماسية وإدارية رفيعة في حكومة بورتسودان.

هذا التغلغل أدى إلى تغيير جذري في لغة الخطاب الرسمي السوداني، حيث تحول من خطاب الدولة التي تسعى للسلام والاندماج الدولي إلى خطاب “الجهاد” وتخوين القوى المدنية والصدام مع المنظمات الإقليمية مثل “الإيغاد” والاتحاد الأفريقي.

إن اعتماد البرهان على الإسلاميين كمصدر رئيسي للدعم اللوجستي والميداني من خلال “كتيبة البراء بن مالك” وغيرها، بعث برسائل سلبية قوية للدول الرافضة للإسلام السياسي، مفادها أن الجيش السوداني لم يعد مؤسسة وطنية مستقلة، بل أصبح مظلة لمشروع إيديولوجي يسعى لزعزعة استقرار المحاور الإقليمية التقليدية.

تأزم العلاقات مع المحور العربي والخليجي الرافض للإسلام السياسي

تعد الدول العربية الكبرى، وتحديدًا في منطقة الخليج، من أكثر الأطراف حساسية تجاه عودة الإخوان المسلمين إلى السلطة في السودان، نظرًا للتجارب السابقة التي تورط فيها النظام السابق في دعم حركات التطرف وتصدير الأزمات.

إن التقارب الملحوظ بين البرهان وقيادات الإخوان أدى إلى برود واضح في العلاقات مع عواصم عربية كانت تاريخيًا تدعم استقرار السودان، حيث تشعر هذه العواصم بأن استثمارها في دعم المؤسسة العسكرية السودانية قد يصب في نهاية المطاف في مصلحة تنظيم معادي لتوجهاتها السياسية.

هذا التوجس الإقليمي تُرجم إلى مواقف حذرة في المحافل الدولية، حيث باتت هذه الدول تفضل الوقوف على مسافة واحدة من طرفي النزاع أو التركيز فقط على الجوانب الإنسانية، خوفًا من أن يؤدي انتصار “جيش يسيطر عليه الإخوان” إلى خلق بؤرة توتر جديدة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي تهدد الأمن القومي العربي والملاحة الدولية.

تحديات الجوار الأفريقي وتآكل الثقة في الوساطات الإقليمية

لم يقتصر أثر التحالف بين البرهان والإخوان على المحور العربي فحسب، بل امتد ليضرب العمق الأفريقي للسودان، حيث اتخذت الحكومة السودانية مواقف متشددة تجاه المبادرات الأفريقية للسلام، مدفوعة برؤية إخوانية ترى في هذه المبادرات محاولة لتقويض نفوذها.

إن الهجوم المتكرر من قبل إعلام النظام السابق على قادة دول الجوار مثل كينيا وإثيوبيا، ووصفهم بالعمالة، يعكس بوضوح أجندة الحركة الإسلامية التي تسعى لعزل السودان عن محيطه الطبيعي وخلق حالة من “العداء المستمر” لتبرير حالة الحرب والبقاء في السلطة.

هذا السلوك الدبلوماسي المتخبط أدى إلى فقدان السودان لمركز ثقله داخل الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيغاد، وأصبح يُنظر إلى البرهان كقائد يفتقر إلى الإرادة السياسية المستقلة؛ مما يعزز فرضية أن القرار في السودان بات يُصنع في كواليس التنظيم الدولي للإخوان المسلمين وليس في قيادة الأركان.

مستقبل السودان في ظل سياسة “الأبواب المغلقة” مع الإقليم

إن استمرار ارتهان القرار العسكري والسياسي السوداني لأجندة الإخوان المسلمين ينذر بمستقبل قاتم للسودان على صعيد العلاقات الدولية، حيث قد يجد السودان نفسه تحت طائلة العقوبات الدولية أو العزلة الشاملة في حال استمر هذا التحالف.

الدول الرافضة للإسلام السياسي لن تقبل بوجود نظام في الخرطوم يديره “الكيزان” من خلف الستار، وهو ما يعني حرمان السودان من فرص إعادة الإعمار، وتدفق الاستثمارات، وشطب الديون في مرحلة ما بعد الحرب.

علاوة على ذلك، فإن هذا التحالف يمنح الخصوم السياسيين والعسكريين للجيش ذريعة قوية لتصوير صراعهم معه على أنه “حرب ضد الإرهاب” وليس مجرد نزاع على السلطة، مما يضعف الموقف القانوني والأخلاقي للجيش أمام المجتمع الدولي.