تمثل الهيكلية التنفيذية للحرس الثوري الإيراني في لبنان، وتحديدًا عبر “فيلق القدس”، جريمة مستمرة بحق السيادة الوطنية اللبنانية، حيث تحولت بيروت من منارة ثقافية واقتصادية إلى قاعدة متقدمة لإدارة العمليات الإرهابية وتخزين الصواريخ الباليستية بين الأحياء السكنية المكتظة.
وتكشف عملية اغتيال القيادي في فيلق القدس “محمد علي كوراني” في قلب العاصمة بيروت، عن حجم التغلغل الإيراني الذي تجاوز الدعم اللوجستي ليصل إلى الإدارة المباشرة لمخططات تخريبية تستهدف زعزعة استقرار المنطقة.
إن الحرس الثوري لا يكتفي باستخدام لبنان كخط دفاع أول عن طهران، بل يعمد إلى تمويل الفوضى من خلال إنشاء دويلات داخل الدولة، تملك أجهزتها الأمنية والاقتصادية والقضائية الخاصة؛ مما أدى إلى شلل تام في مؤسسات الدولة اللبنانية الدستورية، وجعل قرار الحرب والسلم مرتهنًا بالكامل لإشارة من مرشد الثورة في طهران، وهو ما يدفع ثمنه المواطن اللبناني اليوم من أمنه واقتصاده ومستقبل أبنائه.
وتتجاوز جرائم الحرس الثوري الإيراني حدود العمل العسكري التقليدي لتصل إلى “الإرهاب البيولوجي والاجتماعي” عبر إغراق الأسواق اللبنانية والعربية بالممنوعات وشبكات غسيل الأموال التي يديرها خبراء من فيلق القدس لتوفير السيولة النقدية بعيدًا عن الرقابة الدولية.
إن هذا “الاقتصاد الأسود” الذي يبنيه الحرس الثوري في ضواحي بيروت وعلى الحدود، هو المحرك الأساسي لاستمرار النزاعات المسلحة، حيث يتم تحويل المساعدات الإنسانية والتدفقات المالية المشروعة لصالح بناء الأنفاق وتجهيز منصات الصواريخ ذات الرؤوس المتعددة التي تُطلق من بين منازل المدنيين، مما يحولهم إلى دروع بشرية رغمًا عنهم، وإن استخدام طهران لتقنيات صاروخية مزودة بذخائر صغيرة وعنقودية في هجماتها الأخيرة على تل أبيب، والتي انطلقت من الأراضي اللبنانية، يثبت أن الحرس الثوري لا يقيم وزنًا للقانون الدولي الإنساني، بل يتعمد توريط لبنان في مواجهات تدميرية لخدمة أهداف توسعية فارسية لا تمت للواقع العربي بصلة.
نزيف النفوذ وتهاوي المخططات الإرهابية
لقد أثبتت التطورات الأخيرة في عام 2026، أن الحرس الثوري الإيراني يعيش حالة من “النزيف الاستراتيجي” غير المسبوق في لبنان، حيث تهاوت منظوماته الأمنية أمام الاختراقات الاستخبارية التي أدت لتصفية كوادره واحدًا تلو الآخر، ومع كل غارة تستهدف عنصرًا من فيلق القدس في بيروت، تتكشف خيوط مؤامرات كانت تستهدف دبلماسيين ومصالح حيوية عربية ودولية.
إن لجوء الحرس الثوري لإطلاق موجات من الصواريخ الباليستية التي تصيب المدنيين (كما حدث مع البدو والرضع في جنوب إسرائيل)، يعكس حالة الإحباط والتخبط العسكري، حيث يحاول النظام الإيراني ترميم صورته المهزوزة عبر “استعراضات صاروخية” تفتقر للدقة العسكرية ولكنها تفرز دمارًا مدنيًا هائلاً، هذا السلوك الإجرامي يضع الحرس الثوري تحت طائلة المحاسبة الدولية كمنظمة إرهابية تمارس القتل الممنهج، وتستغل الضعف الهيكلي للدول المضيفة لتحويلها إلى ساحات حرب مفتوحة لا تنتهي إلا بخراب البنية التحتية وتهجير السكان.
إن الحل للأزمة اللبنانية المرتبطة بالتغول الإيراني يبدأ من تجفيف منابع تمويل الحرس الثوري وفك الارتباط القسري بين الدولة اللبنانية وأجندة طهران، فالمنطقة الأمنية التي تسعى إسرائيل لفرضها بعمق 30 كيلومترًا في الجنوب هي نتيجة مباشرة لاستفزازات الحرس الثوري الذي رفض كافة المساعي الدبلوماسية لتحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية.
ويظل الرهان اليوم على وعي الشعب اللبناني والمجتمع الدولي بضرورة استئصال هذا النفوذ السام الذي حوّل بيروت إلى “مستودع بارود” عالمي.
إن جرائم الحرس الثوري الإيراني موثقة بالدماء والركام، من قصف الأحياء الراقية في تل أبيب بصواريخ الرؤوس المتعددة، إلى اغتيال المعارضين والنشطاء وتدمير الموانئ، وهي كلها شواهد على أن طهران لا تصدر لجيرانها سوى الفوضى والدمار، في سبيل حماية نظامها الثيوقراطي من السقوط الحتمي أمام إرادة الشعوب الطامحة للحرية والكرامة.

