ذات صلة

جمع

من الاغتيالات إلى تسفير الشباب.. لماذا يطالب نواب تونس بتصنيف “النهضة” إرهابية؟

تشهد الساحة السياسية والتشريعية في تونس منعطفًا تاريخيًا وحاسمًا،...

من الاغتيالات إلى الحروب بالوكالة.. تاريخ حزب الله في مقامرة دماء اللبنانيين

لم تكن نشأة حزب الله في أوائل الثمانينيات مجرد رد فعل محلي على ظروف الاحتلال، بل كانت منذ اللحظة الأولى ولادة لتنظيم عقائدي عابر للحدود، يستمد شرعيته وتمويله وقراره من خارج الحدود اللبنانية، وتحديدًا من طهران.

هذا الارتهان البنيوي جعل من الحزب أداة متقدمة لتنفيذ استراتيجيات إقليمية على حساب المصلحة الوطنية العليا للبنان. وعلى مر العقود، نجح الحزب في بناء ترسانة عسكرية ضخمة وموازية للجيش الوطني، مستخدمًا شعار “المقاومة” كغطاء شرعي للبقاء خارج إطار القانون والدولة.

إن الخطورة في مسيرة حزب الله تكمن في قدرته على اختطاف قرار “الحرب والسلم”، حيث يجد اللبنانيون أنفسهم فجأة في مواجهات عسكرية مدمرة مع قوى إقليمية ودولية دون أن يكون للدولة أو المؤسسات الدستورية أي رأي في ذلك، مما جعل من دماء اللبنانيين وممتلكاتهم مجرد “أوراق تفاوض” في صراعات كبرى لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وهو ما يجسد مفهوم المقامرة بالوطن من أجل بقاء التنظيم وأهدافه العابرة للحدود.

سجل الاغتيالات وتصفية الرموز الوطنية

يمثل ملف الاغتيالات السياسية أحد أكثر الصفحات سوادًا في تاريخ حزب الله، حيث ارتبط اسم التنظيم بسلسلة من العمليات التي استهدفت قادة الرأي والسياسة في لبنان الذين عارضوا هيمنة السلاح أو طالبوا بسيادة الدولة.

وتعد جريمة اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري في عام 2005 المحطة الأبرز، حيث أدانت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان عناصر قيادية في الحزب بالتخطيط والتنفيذ لهذه الجريمة التي غيرت وجه لبنان.

ولم يتوقف قطار الدم عند الحريري، بل امتد ليشمل كوكبة من الصحفيين والسياسيين مثل جبران تويني، وسمير قصير، ووسام الحسن، وصولاً إلى الاغتيال الغادر للمفكر لقمان سليم في جنوب لبنان.

إن هذه الاغتيالات لم تكن مجرد جرائم جنائية، بل كانت “سياسة تصفية” ممنهجة تهدف إلى إرهاب المعارضة وتفريغ الساحة اللبنانية من أي صوت وطني يجرؤ على قول “لا” لمشروع الدويلة داخل الدولة، مما حوّل لبنان من منارة للحريات إلى ساحة يسودها الخوف من “كاتم الصوت” الذي يلاحق كل من يطالب بحصر السلاح في يد الجيش اللبناني.

الانغماس في الحروب الإقليمية بالوكالة

تحول حزب الله من ميليشيا محلية إلى “فيلق إقليمي” يقاتل في جبهات متعددة بعيدًا عن الحدود اللبنانية، وهو ما تجلى بوضوح في تدخله العسكري الواسع في سوريا لدعم نظام الأسد ضد تطلعات الشعب السوري.

هذا الانخراط الدموي أدى إلى مقتل الآلاف من الشباب اللبناني في معارك لا علاقة لها بحماية لبنان، بل تهدف إلى الحفاظ على “ممرات الإمداد” وتثبيت النفوذ الإقليمي لداعمي الحزب، ولم يقتصر الأمر على سوريا، بل امتد ليشمل اليمن والعراق، مما تسبب في عزلة لبنان العربية والدولية ووضعه تحت طائلة العقوبات الاقتصادية القاسية.

إن سياسة “الحروب بالوكالة” التي ينتهجها حزب الله جعلت من لبنان ساحة مفتوحة لتلقي الردود الانتقامية، ووضعت مصالح المغتربين اللبنانيين في خطر، وأدت إلى انهيار علاقات لبنان التاريخية مع أشقائه العرب، مما ساهم بشكل مباشر في تفاقم الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها المواطن اللبناني اليوم، والذي يجد نفسه يدفع ثمن مغامرات عسكرية وقرارات انتحارية تُتخذ خلف البحار ويُنفذها الحزب على أرض الأرز.

اختطاف الدولة وتعطيل المؤسسات الدستورية

مارس حزب الله سياسة “التعطيل الممنهج” للمؤسسات الدستورية في لبنان كأداة لفرض إرادته السياسية، حيث اعتاد التنظيم على استخدام فائض القوة لتعطيل تشكيل الحكومات أو انتخاب رئيس للجمهورية لشهور وسنوات، ما لم تكن النتائج تضمن له السيطرة الكاملة على مفاصل القرار.

إن أحداث 7 أيار 2008 تظل شاهدة على استخدام السلاح في الداخل اللبناني لاجتياح العاصمة بيروت وترهيب المواطنين، في سابقة خطيرة كسرت “قدسية السلاح” الموجه نحو العدو الخارجي.

هذا السلوك أدى إلى تفريغ الدولة من مضمونها، وتحويل الوزارات والمرافق العامة (مثل المطار والمرفأ) إلى مناطق نفوذ خاضعة لرقابة الحزب، مما سهل عمليات التهريب والنشاطات غير المشروعة التي أضرت بسمعة لبنان المالية والقانونية وإن مقامرة حزب الله بدماء اللبنانيين لم تتوقف عند حدود المعارك العسكرية، بل شملت تدمير العقد الاجتماعي والسياسي الذي قام عليه لبنان، واستبداله بمنطق القوة والميليشيا الذي لا يؤمن بالدولة إلا كواجهة لتغطية نشاطاته غير الشرعية.

مستقبل لبنان بين السلاح والسيادة

يجد لبنان نفسه اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، حيث بات من المستحيل التعايش بين منطق الدولة القوية ومنطق الميليشيا العابرة للحدود.

إن استمرار حزب الله في مقامرة دماء اللبنانيين وربط مصيرهم بصراعات المحاور الإقليمية يهدد بإ زالة لبنان عن الخارطة ككيان مستقل ومستقر وإن الحل الوحيد لخروج لبنان من نفقه المظلم يكمن في استعادة السيادة الكاملة، وتطبيق القرارات الدولية (وعلى رأسها القرار 1559 والقرار 1701) التي تطالب بحل كافة الميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة فقط وبدون العودة إلى كنف الدولة الوطنية، سيبقى المواطن اللبناني رهينة لقرارات تُتخذ في غرف عمليات سرية وسيبقى لبنان عرضة للحروب والدمار كلما اقتضت مصالح الممول الخارجي ذلك.

كما أن استعادة القرار الوطني هي المعركة الحقيقية التي يجب أن يخوضها اللبنانيون لاستعادة وطنهم من براثن الحروب بالوكالة، ولضمان أن تكون دماء أبنائهم فداءً لتراب الوطن لا قربانًا على مذبح المصالح الإقليمية الضيقة التي لا تجلب سوى الخراب والفقر والدموع.