ذات صلة

جمع

من الاغتيالات إلى تسفير الشباب.. لماذا يطالب نواب تونس بتصنيف “النهضة” إرهابية؟

تشهد الساحة السياسية والتشريعية في تونس منعطفًا تاريخيًا وحاسمًا،...

ما بعد خامنئي.. صراع الخلافة يرسم مستقبل إيران

دخلت إيران مرحلة سياسية شديدة الحساسية بعد الإعلان عن...

صراع “الشرطة المحلية”.. كيف يعيق ملف الأمن بغزة تنفيذ الاستحقاقات السياسية في خطة واشنطن؟

يواجه مسار التسوية السياسية في قطاع غزة مأزقًا وجوديًا يتجاوز مجرد الاتفاق على بنود وقف إطلاق النار، حيث برز ملف “الشرطة المحلية” كأحد أعقد الملفات التي تعيق تنفيذ الاستحقاقات السياسية الواردة في خطة واشنطن المعروفة بـ “خطة النقاط العشرين”.

وبينما يسعى مجلس السلام الأمريكي برئاسة دونالد ترامب إلى إرساء قواعد إدارة مدنية فلسطينية مؤقتة، تصطدم هذه الطموحات بالواقع الميداني الذي تفرضه إسرائيل عبر اشتراطات أمنية مشددة تتعلق بهوية الأفراد المكلفين بضبط الأمن الداخلي.

إن هذا الصراع حول “من يحمل السلاح في غزة” لم يعد شأنًا تقنيًا، بل تحول إلى أداة لتعطيل الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، مما يبقي القطاع في حالة من الفراغ الإداري والأمني الذي يهدد بعودة الفوضى أو استئناف المواجهات الشاملة في أي لحظة.

التدقيق الإسرائيلي وفيتو “الخلفية التنظيمية”

تتمحور العقدة الرئيسية في ملف الشرطة المحلية حول رفض إسرائيل القاطع لمشاركة أي عنصر خدم سابقًا في أجهزة الشرطة أو الأمن التابعة لحركة حماس، حتى لو كان عمله مقتصرًا على الجوانب المدنية أو المرورية. وبحسب تقارير ديبلوماسية، فإن الجانب الإسرائيلي يمارس حق “الفيتو” على قوائم المرشحين التي تقدمها اللجنة الوطنية لإدارة غزة، مطالبًا بضمانات قاطعة بأن القوة الجديدة ستكون “نظيفة تمامًا” من أي شائبة أيديولوجية أو تنظيمية مرتبطة بالفصائل.

هذا التشدد الإسرائيلي أدى إلى تعليق نشر آلاف العناصر الذين تم تدريبهم بالفعل في مراكز تدريب إقليمية في الأردن ومصر، حيث تخشى تل أبيب أن تتحول هذه القوة إلى “حصان طروادة” يسمح لحماس باستعادة سيطرتها المدنية على الشارع تحت غطاء الشرعية الدولية وقوة الاستقرار.

اللجنة الوطنية وأزمة الدخول إلى القطاع

على الرغم من تشكيل “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” التي تضم 15 خبيرًا فلسطينيًا مستقلاً، إلا أن هذه اللجنة ما تزال تمارس مهامها من العاصمة المصرية القاهرة، عاجزة عن دخول القطاع بسبب غياب الترتيبات الأمنية اللازمة لحمايتها.

وترى اللجنة أن تشكيل قوة شرطة محلية قوية هو “العمود الفقري” لنجاح مهمتها في إعادة الإعمار وتوزيع المساعدات، غير أن اشتراط إسرائيل الإشراف المباشر على تحركات هذه القوة وتقييد صلاحياتها جعل من الصعب البدء في تنفيذ أي خطة إدارية على الأرض.

إن هذا الوضع خلق مفارقة غريبة؛ حيث توجد إدارة سياسية معترف بها دولياً لكنها تفتقر إلى “الأذرع التنفيذية” القادرة على فرض النظام، مما يترك الساحة عرضة لعصابات الجريمة المنظمة أو الخلايا الميدانية التي ما تزال تدين بالولاء للقيادات السابقة.

قوة الاستقرار الدولية وتداخل الصلاحيات

يزداد المشهد تعقيدًا مع طرح فكرة “قوة الاستقرار الدولية” التي من المفترض أن تضم نحو 20 ألف جندي من دول مثل إندونيسيا، كازاخستان، ألبانيا، وكوسوفو. فالخلاف لا يقتصر فقط على الشرطة المحلية، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة بين هذه القوات الدولية والعناصر الفلسطينية.

وترفض الدول المساهمة في القوة الدولية أن يتم تكليف جنودها بمهام “الشرطة التقليدية” أو الدخول في صراعات مباشرة مع السكان لنزع السلاح، وتفضل أن تقتصر مهامها على تأمين المقرات الاستراتيجية والمعابر.

في المقابل، تصر إسرائيل على أن يكون دور القوات الدولية هو الرقابة الصارمة على الشرطة المحلية للتأكد من عدم “تسرب” السلاح أو المعلومات إلى الفصائل، وهو ما يراه الجانب الفلسطيني انتقاصًا من سيادة الإدارة المؤقتة وتحويلاً للشرطة المحلية إلى “أداة أمنية” تخدم مصالح الاحتلال بدلاً من حماية المواطنين.

تداعيات الفراغ الأمني على الاستحقاق السياسي

إن استمرار الفشل في حسم ملف الشرطة المحلية يؤدي بالضرورة إلى انهيار الجداول الزمنية التي وضعتها واشنطن لتنفيذ خطة السلام. فبدون قوة أمنية موثوقة ومقبولة من الأطراف كافة، لن يكون بمقدور القوات الإسرائيلية الانسحاب من مراكز المدن والمناطق السكنية، وهو الانسحاب الذي تشترطه حماس للمضي قدماً في تسليم الأسلحة الثقيلة.

هذا “الدوار الأمني” يجعل من “مهلة الستين يومًا” التي يتحدث عنها اليمين الإسرائيلي لنزع السلاح أمراً مستحيل التحقيق، إذ لا يمكن تصور تجريد الفصائل من سلاحها في بيئة تفتقر إلى بديل أمني يحمي السكان ويمنع الانفلات.

ونتيجة لذلك، يظل المسار السياسي معلقًا بانتظار “صيغة سحرية” توفق بين هواجس الأمن الإسرائيلية وحاجة الفلسطينيين لجهة أمنية وطنية قادرة على ملء الفراغ.

الاستنتاجات الختامية وضرورة الحل الوسط

يمثل صراع “الشرطة المحلية” في غزة لعام 2026 حجر العثرة الأكبر في طريق السلام المستدام. إن الإصرار على نزع السلاح الكامل كشرط مسبق لتشكيل القوة الأمنية، أو التدقيق “الميكروسكوبي” في خلفيات آلاف العناصر، لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة وتوفير الذرائع لكل طرف للعودة إلى خيار القوة.

إن نجاح خطة واشنطن يعتمد بالدرجة الأولى على قدرة “مجلس السلام” على فرض حل وسط يضمن مهنية واستقلالية الشرطة المحلية، مع توفير رقابة دولية متوازنة لا تحول هذه القوة إلى طرف في الصراع.

وبدون ذلك، ستبقى الاستحقاقات السياسية مجرد “حبر على ورق”، وسيبقى قطاع غزة رهينة لمعادلة أمنية صفرية لا رابح فيها، حيث يغيب القانون ويحضر الرصاص في مشهد يهدد بنسف كافة جهود التهدئة الإقليمية.