ذات صلة

جمع

الرهان الخاسر.. كيف أحرق حزب الله أوراقه السياسية داخليًا ودمر السيادة اللبنانية؟

دخل حزب الله في عام 2026 مرحلة الانكشاف الاستراتيجي الكامل، بعد عقود من الممارسات التي استهدفت تقويض بنية الدولة اللبنانية لصالح مشروع “ولاية الفقيه” العابر للحدود، حيث تجلى “الرهان الخاسر” في أوضح صوره مع تحول الحزب من قوة تدعي حماية الأرض إلى ميليشيا تحرق الأخضر واليابس لتنفيذ أوامر طهران.

إن هذه السياسة التي اعتمدت على “فائض القوة” العسكري لفرض واقع سياسي مشوه، أدت في نهاية المطاف إلى إحراق كافة أوراقه السياسية داخليًا، وفقدانه للغطاء الوطني الذي كان يتستر خلفه لسنوات طويلة تحت مسمى “المقاومة”، ليجد نفسه اليوم وحيدًا في مواجهة غضب شعبي عارم وعزلة دولية خانقة جعلت من لبنان وطنًا معزولاً ومنكوبًا بسبب قرارات الحزب الانتحارية التي لم تراعِ يومًا المصلحة الوطنية العليا أو أمن المواطن البسيط.

إن رصد جرائم حزب الله يبدأ من اللحظة التي قرر فيها مصادرة قرار الحرب والسلم من يد الدولة اللبنانية، وتدشين منظومة أمنية وعسكرية موازية تعمل خارج إطار القانون والدستور، مما حوّل لبنان إلى رهينة لمغامرات الحزب الخارجية في سوريا والعراق واليمن.

هذا الارتهان للأجندة الإيرانية لم يكتفِ بتدمير علاقات لبنان العربية والدولية، بل امتد ليطال النسيج الاجتماعي اللبناني عبر زرع بذور الفتنة الطائفية واستخدام الترهيب العسكري وسيلة لقمع المعارضين السياسيين، وهو ما أفرغ المؤسسات الدستورية من محتواها وحولها إلى مجرد أدوات لتشريع هيمنة الحزب على مفاصل الدولة؛ مما دفع البلاد نحو الانهيار الاقتصادي الشامل الذي نعيشه اليوم نتيجة فقدان الثقة الدولية في قدرة الدولة على اتخاذ قرارات سيادية بعيدة عن إملاءات الضاحية الجنوبية.

الاغتيال السياسي وتعطيل العدالة

تعد سياسة “الاغتيال السياسي” واحدة من أبشع الجرائم التي ارتبطت بسجل حزب الله في لبنان، حيث استهدفت هذه العمليات الممنهجة تصفية كل صوت يجرؤ على المطالبة باستقلال القرار اللبناني أو نزع السلاح غير الشرعي، بدءًا من اغتيال الرموز الوطنية وصولاً إلى الناشطين والمفكرين الذين رفضوا هيمنة السلاح على القلم.

إن هذه الجرائم لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل كانت جزءًا من استراتيجية “إدارة الرعب” التي يمارسها الحزب لضمان صمت المعارضة ومنع قيام دولة قوية تمتلك حصرية السلاح.

ومع كل جريمة جديدة، كان الحزب يلجأ إلى التعطيل القضائي والتهديد المباشر للقضاة لمنع الوصول إلى الحقيقة، مما جعل العدالة في لبنان مجرد شعار مغيب تحت وطأة التهديد الصاروخي والانتشار المسلح في الشوارع.

ولعل جريمة “تعطيل التحقيق في انفجار مرفأ بيروت” تمثل الذروة في استهتار الحزب بدماء اللبنانيين، حيث استخدم كافة أدوات الضغط السياسي والأمني لإرهاب القضاء ومنع استجواب المسؤولين التابعين له أو لحلفائه، مما كشف بوضوح أن الحزب يضع مصلحته التنظيمية فوق دماء مئات الضحايا وآلاف الجرحى.

إن هذا السلوك الإجرامي لم يؤدِّ فقط إلى طمس الحقائق، بل تسبب في شرخ عميق بين الحزب وبين كافة المكونات اللبنانية التي رأت في هذا التعطيل اعترافًا ضمنيًا بالمسؤولية أو على الأقل بالتغطية على المجرمين.

هذا التحدي الصارخ لإرادة الشعب اللبناني وللمجتمع الدولي، أحرق ما تبقى من رصيد سياسي للحزب، وحوله في نظر الكثيرين من “حامٍ للحدود” إلى “قاتل للداخل” لا يتردد في تدمير العاصمة من أجل حماية نفوذه وسلاحه المهرب.

الانقلاب على المؤسسات والشلل الدستوري الممنهج

لم يكتفِ حزب الله بالجرائم الجسدية، بل مارس “جريمة سياسية” مستمرة تتمثل في تعطيل الحياة الدستورية وفرض الفراغ الرئاسي والحكومي كأداة للمساومة والابتزاز، حيث دأب الحزب على شل عمل البرلمان ومنع انتخاب رئيس للجمهورية لسنوات طوال ما لم يكن المرشح خاضعاً بالكامل لإرادته.

هذه السياسة أدت إلى تآكل هيبة الدولة وتوقف عجلة الإصلاحات الضرورية، مما فاقم الأزمة المعيشية ودفع الشباب اللبناني نحو الهجرة القسرية بحثًا عن مستقبل بعيد عن صراعات “المحاور” التي يفرضها الحزب.

إن مصادرة المؤسسات وتحويلها إلى رهائن هي جريمة موصوفة بحق الديمقراطية اللبنانية، تهدف بالأساس إلى جعل “سلطة الأمر الواقع” المتمثلة في سلاح الحزب هي المرجع الوحيد والنهائي في كافة الملفات السيادية والمالية.

وعلى الصعيد الاقتصادي، ارتبط اسم الحزب بجرائم “التهريب المنظم” عبر المعابر غير الشرعية التي يسيطر عليها، مما استنزف موارد الدولة وحرم الخزينة العامة من مليارات الدولارات سنويًا، فضلاً عن تورط شبكاته في أنشطة مالية مشبوهة عرضت القطاع المصرفي اللبناني لعقوبات دولية قاسية.

إن تحويل لبنان إلى “منصة لتبييض الأموال” وتمويل العمليات العسكرية الخارجية هو جريمة اقتصادية متكاملة الأركان، ساهمت بشكل مباشر في انهيار العملة الوطنية وضياع مدخرات المواطنين.

ومع استمرار الحزب في رفض ترسيم الحدود ومنع الدولة من استثمار مواردها الطبيعية إلا بشروطه، أصبح من الواضح أن الرهان على بقاء الحزب كشريك سياسي هو رهان خاسر، لأنه ببساطة لا يؤمن بفكرة “الدولة” بل بفكرة “الساحة” التي تخدم طموحات إمبراطورية طهران.