يعيش السودان فصلاً مأساويًا هو الأكثر دموية في تاريخه الحديث، حيث تحول الصراع على السلطة إلى “رهان دم” مفتوح يقوده قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، الذي يصر على خيار الحسم العسكري رغم الانهيار الشامل لكافة مؤسسات الدولة.
إن هذا الإصرار لا يفسره الواقع الميداني الذي يراوح مكانه منذ أشهر، بل تبرره الرغبة في البقاء السياسي والهروب من استحقاقات التحول المدني والمحاسبة على “جرائم البرهان” التي وثقتها التقارير الحقوقية الدولية.
جرائم البرهان وسجل الانتهاكات الممنهجة ضد المدنيين
تتزايد الاتهامات الدولية الموجهة للقيادة العسكرية السودانية بارتكاب “جرائم حرب” تشمل القصف الجوي العشوائي على الأحياء السكنية والأسواق المكتظة في الخرطوم ودارفور، وهو ما أسفر عن مقتل آلاف الأبرياء وتدمير البنية التحتية المتهالكة أصلاً.
إن “جرائم البرهان” لا تتوقف عند حدود القصف، بل تمتد لتشمل موجات من الاعتقالات التعسفية والإخفاء القسري للناشطين والقوى المدنية التي ترفض استمرار الحرب.
ويرى مراقبون حقوقيون، أن الجيش استخدم استراتيجية “الأرض المحروقة” في عدة جبهات، متجاهلاً الالتزامات الدولية بحماية المدنيين، مما وضع السودان في مقدمة الدول التي تعاني من أسوأ أزمة حقوقية في العالم.
هذه الانتهاكات الموثقة بالصور والشهادات تضع البرهان وفريقه المعاون تحت طائلة القانون الدولي، وهو ما يفسر تخوفه من أي تسوية سياسية قد تقوده في نهاية المطاف إلى منصات القضاء الجنائي الدولي، مفضلاً الاستمرار في القتال كدرع لحماية نفسه من الملاحقة.
سياسة “التجويع كسلاح” وعرقلة جهود الإغاثة الدولية
من أبشع فصول هذه الحرب هو استخدام “الغذاء كسلاح”، حيث تُتهم القوات المسلحة السودانية تحت إشراف البرهان بعرقلة وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع أو تلك التي تعاني من حصار مطبق.
إن منع المنظمات الدولية من إيصال القوافل الإغاثية واستخدام البيروقراطية العسكرية كأداة لخنق المدنيين أدى إلى وقوع مجاعات حقيقية في مناطق واسعة من السودان، وهو ما وصفته الأمم المتحدة بـ “الجريمة ضد الإنسانية”.
الإصرار على الحل العسكري يترافق مع رفض فتح الممرات الآمنة، في محاولة لتركيع الخصوم عبر تجويع الحواضن الاجتماعية، وهي مقاربة عسكرية تفتقر لأدنى المعايير الأخلاقية والقانونية.
هذا التعنت لم يؤدِ إلا إلى زيادة عزلة السودان دوليًا، وتصاعد الأصوات المنادية بفرض حصار شامل على قادة الجيش وتجميد أصولهم في الخارج للضغط عليهم من أجل وقف هذه الكارثة الإنسانية المتعمدة.
تحالف الظل.. عودة “الإخوان” ورموز النظام البائد
خلف واجهة القتال الوطني، يبرز تحالف “البرهان” مع مجموعات تابعة للنظام السابق وقيادات من “الإخوان المسلمين” (الحركة الإسلامية)، الذين يرون في هذه الحرب فرصتهم الأخيرة لاستعادة السلطة التي فقدوها في ثورة ديسمبر.
إن هؤلاء “الفلول” هم المحرض الأساسي على استمرار القتال، حيث يوفرون للبرهان الغطاء السياسي والدعم الاستخباراتي والكتائب القتالية (كتائب الظل) مقابل وعود بالعودة إلى مفاصل الدولة.
هذا التحالف المشبوه جعل من الصعب على البرهان القبول بأي تسوية سياسية تتضمن إبعاد عناصر النظام السابق أو تفكيك بنية “الدولة العميقة”، مما حول الحرب من صراع عسكري تقني إلى معركة وجودية لهذه المجموعات.
إن إصرار البرهان على الحل العسكري هو في جوهره رضوخ لضغوط هذه القوى التي تفضل حرق السودان بالكامل على أن ترى نظامًا مدنيًا ديمقراطيًا يحاسبها على عقود من الفساد والاستبداد.
الانهيار الشامل وفرص العدالة المفقودة
بحلول عام 2026، لم يعد هناك قطاع في السودان لم يصله الدمار؛ فالنظام الصحي انهار تمامًا، والتعليم توقف، والعملة الوطنية فقدت قيمتها بشكل كلي، مما جعل المواطن السوداني يواجه الموت إما برصاص القناصة أو بمرض لا يجد له دواء.
ورغم هذا الانهيار الشامل، يواصل البرهان خطابه التعبوي الداعي للاستمرار في القتال حتى “تطهير البلاد”، وهو خطاب يفتقر للواقعية ويغذي الكراهية القبلية والجهوية.
إن العدالة المفقودة في السودان اليوم هي صرخة الملايين من النازحين واللاجئين الذين فقدوا بيوتهم وأرزاقهم بسبب “رهان الدم” الفاشل.
إن المجتمع الدولي، وتحديدًا واشنطن والاتحاد الأوروبي، باتوا يدركون أن البرهان لم يعد شريكًا في السلام، بل هو عقبة أساسية أمام أي حل، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات التدخل الدولي لحماية المدنيين وفرض عقوبات ذكية تستهدف عصب القوة العسكرية والمالية لقادة الحرب.
هل ينجو السودان من مقامرة الجنرالات؟
يمثل إصرار عبد الفتاح البرهان على الحل العسكري “مقامرة انتحارية” تضع مستقبل السودان ووحدته على المحك. إن “رهان الدم” الذي يقوده لم يحقق له نصرًا ميدانيًا ناجزًا، بل جلب للبلاد الخراب والعزلة والملاحقات القانونية الدولية.
إن التاريخ لن يغفر لمن اختار الكرسي على حساب حياة الملايين، ومن فضل التحالف مع قوى الردة لضرب طموحات شعبه في الحرية والسلام.
السودان اليوم يحتاج إلى شجاعة سياسية تضع حدًا لهذه العبثية، وتبدأ بوقف فوري لإطلاق النار دون شروط تعجيزية، والانتقال فورًا إلى طاولة المفاوضات لإنتاج سلطة مدنية تعيد بناء ما دمرته آلة الحرب.
وإذا استمر التعنت العسكري، فإن السودان يتجه بسرعة نحو “التلاشي كدولة”، ليصبح مجرد جغرافيا ممزقة تحكمها المليشيات وأمراء الحرب، في أكبر فشل قيادي تشهده القارة الأفريقية في العصر الحديث.

