ذات صلة

جمع

رهان بوتين الخاسر.. كيف تحول “الغزو الخاطف” إلى كابوس عقوبات لا ينتهي؟

عندما أعطى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إشارة البدء لما...

خلف الأبواب المغلقة.. القصة الكاملة لنقل “صيد الثعلب” من سجون سوريا إلى بغداد

في واحدة من أعقد العمليات الأمنية العابرة للحدود منذ...

عنق الزجاجة.. لماذا يصر صندوق النقد على إصلاحات شاملة في لبنان قبل “ضخ السيولة”؟

يمر الاقتصاد اللبناني بمرحلة وصفتها التقارير الدولية بأنها "عنق...

تعنت البرهان أمام مبادرات السلام.. كيف يدفع السودان ثمن التمسك بالحل العسكري؟

يستمر قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، في إبداء...

خلف الأبواب المغلقة.. القصة الكاملة لنقل “صيد الثعلب” من سجون سوريا إلى بغداد

في واحدة من أعقد العمليات الأمنية العابرة للحدود منذ سنوات، نجحت الأجهزة الاستخباراتية العراقية في تنفيذ عملية “صيد الثعلب” التي استهدفت نقل مجموعة من أخطر قيادات تنظيم “داعش” الإرهابي من مراكز الاحتجاز في شمال شرق سوريا إلى العاصمة بغداد.

هذه العملية لم تكن مجرد إجراء لوجستي لنقل معتقلين، بل كانت سباقًا مع الزمن لإحباط مخطط “الهروب الجماعي الكبير” الذي كانت الخلايا النائمة للتنظيم تعمل على تنفيذه بالتنسيق مع قيادات داخل السجون.

وتأتي أهمية هذه العملية من كونها استهدفت “العقول المدبرة” والمسؤولين عن الملفات المالية والإعلامية في التنظيم، والذين يشكلون “صناديق أسرار” قادرة على كشف خيوط العمليات الإرهابية المستقبيلة في المنطقة؛ مما جعل من تأمين وصولهم إلى مراكز التحقيق في بغداد انتصارًا أمنيًا كبيرًا يُحسب للمنظومة الاستخباراتية العراقية التي استعادت زمام المبادرة في ملف معتقلي الخارج.

كواليس التخطيط والتعاون الاستخباراتي الدولي

بدأت ملامح عملية “صيد الثعلب” تتشكل عقب ورود معلومات استخباراتية دقيقة تفيد بوجود تحركات مشبوهة داخل بعض معسكرات الاحتجاز السورية، تهدف إلى إحداث فوضى عارمة تمهد لتهريب الرؤوس الكبيرة في التنظيم.

ومن هنا، انطلقت غرفة عمليات سرية في بغداد للتنسيق مع القوى المسيطرة على تلك السجون وتحت إشراف مباشر من التحالف الدولي، لضمان سرية النقل وتجنب أي هجمات مباغتة على القوافل.

لقد تم اختيار التوقيت بدقة متناهية، حيث نُفذت العملية تحت ستار من التعتيم الإعلامي المطبق، واستُخدمت فيها طائرات مروحية وفرق كوماندوز مدربة على أعلى مستوى لتأمين مسار الرحلة عبر الحدود “العراقية – السورية” التي تشهد نشاطًا لبعض الجيوب الإرهابية.

إن نجاح هذا التنسيق العالي المستوى يعكس قوة الإرادة العراقية في حسم ملف المطلوبين الذين يحملون الجنسية العراقية، ووضع حد للمخاوف الدولية من تحول السجون السورية إلى “قنابل موقوتة” قد تنفجر في أي لحظة لتعيد التنظيم إلى الواجهة من جديد.

إحباط “الهروب الجماعي” وفك شيفرة التواصل

بالتزامن مع عملية النقل، كشفت التحقيقات عن إحباط مخطط موازٍ كان يهدف إلى تنفيذ عمليات اقتحام متزامنة لعدة سجون في العراق وسوريا تحت مسمى “غزوة هدم الأسوار”.

كانت الأجهزة الأمنية قد تمكنت من فك شيفرة تواصل معقدة كانت تُستخدم بين القادة المعتقلين والخلايا النشطة في الصحراء، حيث تم رصد رسائل مشفرة تُهرب عبر “وسائل بدائية” ولكنها فعالة، تحدد ساعة الصفر للهجوم.

وبفضل اليقظة الاستخباراتية، تم تنفيذ ضربات استباقية لمخابئ تلك الخلايا في محافظات الأنبار ونينوى؛ مما أدى إلى شل قدرتها على التحرك لفك حصار “أمرائها”.

إن هذه المواجهة الاستخباراتية أثبتت أن الدولة السورية والعراقية باتتا تمتلكان أدوات رصد متطورة تتفوق على الأساليب التقليدية للتنظيم، حيث تم تحويل نقاط القوة المفترضة للإرهابيين إلى فخاخ أوقعت بقياداتهم الواحد تلو الآخر قبل أن يبدأوا حتى في تنفيذ الخطوة الأولى من مخطط الهروب.

بمجرد وصول “صيد الثعلب” إلى المواقع الأمنية الحصينة في بغداد، بدأت جولات تحقيق ماراثونية كشفت عن معلومات وصفت بـ”الذهبية”.

هؤلاء المعتقلون، الذين قضوا سنوات في مراكز الاحتجاز، أدلوا باعترافات أولية حول مصادر التمويل الحالية للتنظيم، والشركات الوهمية التي تُستخدم لغسيل الأموال في دول عدة، فضلاً عن الكشف عن مخابئ سرية للسلاح والعتاد لا تزال مدفونة في مناطق نائية.

هذه المعلومات مكنت القوات المشتركة من تنفيذ عمليات مداهمة دقيقة أسفرت عن تدمير مضافات استراتيجية وقتل قيادات كانت تستعد لتولي مناصب قيادية.

إن استعادة هؤلاء القادة وضمان عدم هروبهم يعني تجفيف منابع الفكر والتخطيط، حيث أن التنظيم يعتمد بشكل أساسي على “الرموز” لتجنيد عناصر جديدة، وبسقوط هذه الرموز في قبضة العدالة العراقية، يفقد التنظيم أهم أدواته التأثيرية، ويصبح في حالة من التخبط التنظيمي الذي يسهل عملية القضاء عليه نهائيًا.

لم تكتفِ بغداد بنقل المعتقلين، بل أطلقت بالتوازي خطة أمنية شاملة لإعادة تحصين السجون المركزية، وتحويلها إلى ما يشبه “القلاع الحصينة” التي يستحيل اختراقها أو الهروب منها.

تضمنت هذه الإجراءات استخدام تقنيات التشويش الإلكتروني، وتحديث منظومات المراقبة بالكاميرات الحرارية، بالإضافة إلى تدوير القيادات الأمنية المسؤولة عن حماية السجون لضمان أعلى مستويات النزاهة واليقظة.

كما تم عزل “القيادات الأخطر” في زنازين انفرادية خاضعة لرقابة مباشرة من الأجهزة الاستخباراتية، لمنع أي محاولة لنشر الفكر المتطرف بين السجناء الآخرين أو تجنيدهم.

هذه الخطوات الدفاعية، مقترنة بالعمليات الهجومية في الخارج، شكلت كماشة أمنية أطبقت الخناق على أحلام “داعش” في استعادة قوته، وأرسلت رسالة واضحة بأن العراق لم يعد بيئة تسمح بتكرار أخطاء الماضي التي أدت إلى سقوط بعض السجون في عام 2014.

نهاية الأسطورة وبداية الحساب

تمثل عملية “صيد الثعلب” ونقل أخطر الدواعش إلى العراق فصلاً جديدًا من فصول انتصار الدولة على الإرهاب، حيث انتقلت المواجهة من ميادين القتال العسكري إلى دهاليز الاستخبارات والقضاء.

إن إحباط الهروب الجماعي ليس مجرد نجاح أمني عابر، بل هو تأكيد على استعادة السيادة الوطنية الكاملة على ملفات الأمن الحساسة.

ومع بدء المحاكمات العلنية والسرية لهؤلاء القتلة، يستعد العراق لطي صفحة سوداء من تاريخه، معتمدًا على قوة القانون وصلابة المؤسسة الأمنية.

إن هؤلاء الذين ظنوا يومًا أنهم فوق المساءلة، يجدون أنفسهم اليوم خلف القضبان، يواجهون تبعات جرائمهم، بينما تواصل بغداد تثبيت دعائم الاستقرار، محبطةً كل المحاولات اليائسة لزعزعة أمن المواطنين، لتثبت للعالم أن “الهروب الكبير” الذي خطط له التنظيم لم يكن سوى وهمٍ تبخر أمام يقظة رجال الاستخبارات.