يواجه لبنان واحداً من أخطر المنعطفات التاريخية في مسيرته السياسية والأمنية، حيث لم يعد المشهد اللبناني مقتصراً على الأزمات الداخلية المعتادة، بل أصبح مرتبطاً بشكل عضوي بملف “تصفية الحسابات النووية” بين القوى الكبرى.
ومع وصول المفاوضات الدولية بشأن البرنامج النووي الإيراني إلى طريق مسدود في بعض مراحلها، بدأت ملامح “سيناريوهات المواجهة” تلوح في الأفق، حيث تبرز الجغرافيا اللبنانية كساحة ردع أساسية تمتلكها طهران للرد على أي استهداف محتمل لمنشآتها الحيوية.
إن تداخل المصالح الإستراتيجية جعل من الأراضي اللبنانية “صندوق بريد” ساخناً، حيث يتم تبادل الرسائل العسكرية والنارية بين واشنطن وتل أبيب من جهة، ومحور المقاومة من جهة أخرى، مما يضع الدولة اللبنانية في وضع لا تُحسد عليه، بين رغبتها في تحييد نفسها عن الصراعات الكبرى، وبين واقع الانخراط الميداني الذي يفرضه وجود قوة عسكرية ضاربة متمثلة في حزب الله.
سلاح الردع اللبناني والدرع النووي الإيراني
تجمع التقارير الاستخباراتية الدولية لعام 2026 على أن ترسانة الصواريخ الدقيقة التي يمتلكها حزب الله في لبنان لم تعد مجرد أداة للدفاع عن الحدود، بل تحولت إلى “ذراع طويلة” لحماية البرنامج النووي الإيراني.
ففي حال تعرضت منشآت “نطنز” أو “فوردو” لهجوم إسرائيلي أو أمريكي، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو فتح جبهة الشمال الإسرائيلي انطلاقاً من جنوب لبنان بشكل غير مسبوق.
هذا الترابط الإستراتيجي يعني أن أي شرارة تشتعل في مفاعلات طهران ستحرق غابات الجنوب اللبناني وتدمر بنية بيروت التحتية، وهو ما تدركه واشنطن جيداً وتحاول جاهدة تجنبه عبر الضغوط الدبلوماسية. ومع ذلك، فإن إصرار تل أبيب على منع إيران من امتلاك السلاح النووي يضع لبنان أمام احتمالية “الضربة الاستباقية”، حيث قد تبدأ إسرائيل بتدمير منصات الصواريخ في لبنان قبل التوجه لضرب المفاعلات الإيرانية، مما يجعل الانفجار الشامل مسألة وقت لا أكثر.
تداعيات “تصفية الحسابات” على الداخل المنهك
لا يمكن فصل هذه السيناريوهات العسكرية عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي المرير الذي يعيشه لبنان، حيث يعاني الشعب من انهيار مالي مستمر وتآكل في القوة الشرائية لليرة.
إن احتمال تحول لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات النووية يزيد من عزلة البلاد الدولية ويقضي على أي أمل في جذب استثمارات خارجية أو الحصول على قروض من صندوق النقد الدولي.
فالمستثمرون والدول المانحة يرون في لبنان “منطقة عالية المخاطر” بسبب تبعيتها لملفات إقليمية متفجرة. وفي حال اندلاع المواجهة، فإن البنية التحتية اللبنانية، التي تعاني أصلاً من التهالك، ستكون الهدف الأول، مما يعني انقطاعاً تاماً للخدمات الأساسية وهجرة جماعية جديدة، وهو ما يدفع القوى السياسية اللبنانية المعارضة للتحذير من مغبة ربط مصير البلاد بملفات خارجية لا تخدم المصلحة الوطنية العليا، وتزيد من معاناة المواطن اللبناني الذي لم يعد يقوى على تحمل تبعات حروب الآخرين فوق أرضه.
دبلوماسية “حافة الهاوية” ومستقبل المواجهة
على الرغم من قتامة المشهد، فإن سيناريو “دبلوماسية حافة الهاوية” لا يزال يلعب دوراً في منع الانفجار الكبير حتى الآن في 2026، فالأطراف الدولية تدرك أن حرباً شاملة في لبنان ستؤدي إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط بأكمله، وتؤثر على إمدادات الطاقة العالمية.
لذلك، يتم توظيف التهديد العسكري في لبنان كأداة للضغط لتحسين شروط التفاوض النووي. إلا أن هذا التوازن الهش قد ينهار في أي لحظة نتيجة “خطأ في الحسابات” أو عملية أمنية غير محسوبة النتائج.
إن مستقبل لبنان بات معلقاً في غرف المفاوضات المغلقة في فيينا أو جنيف، حيث تقرر القوى العظمى مسار الأمور، بينما يكتفي الداخل اللبناني بالمراقبة والترقب، آملاً في حدوث “تسوية كبرى” تخرج لبنان من دائرة النار وتنقذ ما تبقى من كيان الدولة الذي أصبح رهينة لأجندات نووية عابرة للحدود.
لبنان بين فكي الكماشة الدولية
يظهر أن سيناريوهات المواجهة في لبنان لعام 2026 لم تعد فرضيات بعيدة، بل أصبحت خططاً موضوعة على طاولات غرف العمليات.
إن تحول لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات النووية هو نتاج عقود من تداخل الساحات وضعف السيادة الوطنية. يبقى الأمل الوحيد للبنان هو في بلورة موقف وطني موحد يرفض الانجرار إلى محرقة الصراعات الإقليمية، ويطالب بضمانات دولية تحمي البلاد من التداعيات النووية.

