ذات صلة

جمع

أوجاع بيروت.. كيف ساهم السلاح غير الشرعي في عزل لبنان عن محيطه العربي؟

يعيش لبنان فصلاً جديدًا من فصول أزمته الوجودية التي...

مستقبل أوكرانيا في كفة الميزان.. هل تقبل واشنطن “الوصاية المشتركة” مع موسكو؟

دخلت الحرب الروسية الأوكرانية منعطفًا سياسيًا هو الأخطر من...

سرقة لقمة العيش.. كيف يعرقل الحوثي المساعدات الدولية ويحولها لمقاتليه؟

تعد الأزمة الإنسانية في اليمن واحدة من أسوأ الكوارث...

سلاح الجوع.. كيف يستخدم الجيش السوداني السيطرة على المعابر لخنق الخصوم؟

مع دخول الصراع السوداني عامه الثالث في 2026، برزت...

سيناريوهات الانفراج.. هل تفتح مسيرات العاصمة الباب أمام حوار وطني شامل بتونس؟

شهدت العاصمة التونسية في الساعات الأخيرة زخماً شعبياً وحقوقياً...

أوجاع بيروت.. كيف ساهم السلاح غير الشرعي في عزل لبنان عن محيطه العربي؟

يعيش لبنان فصلاً جديدًا من فصول أزمته الوجودية التي لم تعد تقتصر على الانهيار المالي فحسب، بل تمتد لتشمل عزلة ديبلوماسية خانقة أفقدت “وطن الأرز” بريقه ومكانته في الخارطة العربية والدولية.

إن الجذر العميق لهذه الأوجاع يكمن في وجود سلاح غير شرعي يعمل خارج إطار مؤسسات الدولة الشرعية، مما خلق حالة من “ازدواجية السلطة” أدت بالضرورة إلى تآكل سيادة القانون وارتهان القرار الوطني اللبناني لأجندات إقليمية غريبة عن مصالح الشعب اللبناني.

هذه الوضعية جعلت من بيروت، التي كانت يومًا منارة للثقافة والحرية، ساحة لتمرير الرسائل السياسية والعسكرية العابرة للحدود، الأمر الذي أضعف ثقة المجتمع الدولي والقوى العربية الفاعلة في قدرة الحكومة اللبنانية على الوفاء بالتزاماتها أو حماية أراضيها من الانزلاق نحو صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل، وهو ما حول الدولة إلى مجرد “هيكل إداري” يفتقر للقرار السيادي الفعلي أمام سطوة القوى المسلحة غير النظامية.

تداعيات العزلة عن المحيط العربي والخليجي

لقد كان للمحيط العربي، وتحديدًا دول الخليج العربي، الدور الأبرز تاريخيًا في دعم استقرار لبنان الاقتصادي والسياسي، إلا أن استقواء بعض الأطراف الداخلية بالسلاح غير الشرعي وتدخلها في شؤون الدول العربية المجاورة أدى إلى تصدع خطير في هذه العلاقات الأخوية.

إن عزل لبنان عن عمقه العربي لم يكن مجرد قرار سياسي عابر، بل كان نتيجة تراكمية لسياسات عدائية وممارسات ميدانية هددت الأمن القومي العربي انطلاقًا من الأراضي اللبنانية، مما دفع الدول المانحة والمستثمرين العرب إلى الانكفاء والابتعاد عن الساحة اللبنانية.

هذه العزلة تسببت في جفاف منابع الدعم المالي والسياحي، حيث توقفت التدفقات النقدية التي كانت تشكل ركيزة أساسية للاقتصاد اللبناني، وتحول لبنان من وجهة مفضلة للأشقاء العرب إلى “منطقة خطر” يتم التحذير من زيارتها، مما ضاعف من “أوجاع بيروت” وجعل المواطن اللبناني يدفع ثمن سياسة المحاور التي فرضت عليه بقوة السلاح وفرضت عزلة قسرية على بلد يعيش تاريخيًا على الانفتاح والتواصل.

السلاح غير الشرعي كمقصلة للاقتصاد الوطني

لا يمكن فصل الانهيار الاقتصادي المتسارع في لبنان عن الواقع الأمني المعقد الذي يفرضه السلاح غير الشرعي؛ إذ إن الاستقرار المالي يتطلب بالدرجة الأولى بيئة قانونية وسيادية تضمن حماية الاستثمارات وتدفق رؤوس الأموال.

وفي ظل وجود سلاح يمتلك القدرة على تعطيل المؤسسات الدستورية وفرض إرادته بالقوة، تراجعت الثقة في النظام المصرفي والقطاعات الإنتاجية اللبنانية إلى أدنى مستوياتها.

إن غياب المحاسبة والقدرة على ضبط الحدود، التي غالبًا ما تُستخدم لعمليات التهريب غير المشروعة تحت غطاء السلاح، أدى إلى استنزاف موارد الدولة وحرمان الخزينة من إيرادات حيوية كانت كفيلة بتخفيف وطأة الأزمة المعيشية.

علاوة على ذلك، فإن تصنيف قوى محلية مسلحة كمنظمات إرهابية من قبل قوى دولية كبرى فرض على لبنان عقوبات اقتصادية غير مباشرة، زادت من تعقيد التحويلات المالية الدولية وجعلت من لبنان “دولة منبوذة” في النظام المالي العالمي، مما يثبت أن السلاح خارج إطار الدولة هو المقصلة التي ذبحت الطموحات الاقتصادية للبنانيين.

البحث عن مخرج واستعادة الدور التاريخي

إن الخروج من نفق الأزمات المظلم الذي يلف لبنان يتطلب شجاعة سياسية تبدأ بوضع ملف السلاح غير الشرعي على طاولة البحث الجدي كجزء من “استراتيجية دفاعية وطنية” تحصر قرار السلم والحرب بيد الدولة وحدها.

إن استعادة الحضن العربي ليست مجرد ترف دبلوماسي، بل هي ممر إلزامي للتعافي الاقتصادي والاجتماعي، وهو ما لن يتحقق دون تقديم ضمانات حقيقية بأن لبنان لن يكون منطلقًا لأي أعمال عدائية ضد أشقائه.

يطالب الشارع اللبناني اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بجمهورية قوية قادرة على حماية مواطنيها وبسط سلطتها على كامل ترابها الوطني، بعيدًا عن سيطرة الميليشيات التي جعلت من الوطن رهينة لصراعات إقليمية لا تنتهي و إن الانفراجة الحقيقية تبدأ من بيروت، عبر إصلاحات سياسية وقانونية تعيد هيبة المؤسسات العسكرية والأمنية الشرعية، وتؤسس لعلاقات متوازنة مع المحيط العربي تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بعيدًا عن لغة التهديد والوعيد التي لم تجلب للبنان سوى الفقر والدمار والعزلة.

مستقبل لبنان بين السيادة والارتهان

يبقى مستقبل لبنان معلقًا بين خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في نهج الارتهان للخارج تحت سطوة السلاح غير الشرعي وما يتبعه من عزلة وانهيار، أو الانطلاق نحو بناء دولة المواطنة والسيادة التي تحترم التزاماتها الدولية وعمقها العربي.

إن “أوجاع بيروت” هي صرخة في وجه كل من يحاول طمس هوية لبنان العربية وتحويله إلى قاعدة عسكرية متقدمة، وهي تأكيد على أن الشعب اللبناني، رغم كل المحن، يطمح للعيش في بلد يحكمه القانون وتصونه القوات المسلحة الشرعية، وإن الطريق نحو التعافي طويل وشاق، لكنه يبدأ بخطوة واحدة وهي “لبنان أولاً”، وبناء جسور الثقة مع الأشقاء العرب الذين طالما كانوا السند الحقيقي للبنان في كل أزماته، و إن التاريخ لن يرحم المتخاذلين، والواقع يثبت يومًا بعد يومٍ أن لا استقرار ولا ازدهار في ظل وجود سلاح يغيب الدولة ويستدعي الحروب ويهدم جسور التواصل مع العالم، فهل ينجح اللبنانيون في استعادة وطنهم من براثن العزلة؟