تعد الأزمة الإنسانية في اليمن واحدة من أسوأ الكوارث في العصر الحديث، إلا أن ما يفاقم هذه المأساة ليس نقص التمويل الدولي فحسب، بل الممارسات الممنهجة التي تتبعها جماعة الحوثي في السيطرة على قوافل الإغاثة وتحويل مسارها.
تشير التقارير الميدانية الموثقة في عام 2026 إلى أن الجماعة طورت آليات معقدة لـ”عسكرة الإغاثة”، تبدأ من فرض قيود صارمة على حركة المنظمات الدولية، وصولاً إلى التدخل المباشر في قوائم المستفيدين لضمان ذهاب المعونات إلى المقاتلين وعائلاتهم أو الموالين للجماعة في القرى والمدن.
هذا النهج الحوثي لا يهدف فقط إلى تأمين الغذاء لمنتسبيه، بل يستخدم كأداة للضغط السياسي والاجتماعي، حيث يتم حرمان الأسر الفقيرة والمعارضة من حصصها الغذائية والطبية لدفعها نحو الانصياع لأجندة الجماعة، مما حول “لقمة العيش” من حق إنساني أصيل إلى وسيلة ابتزاز رخيصة في يد قادة المليشيا لتعزيز جبهات القتال على حساب ملايين الجوعى.
البيروقراطية الحوثية كأداة للنهب الممنهج
لإضفاء صبغة “رسمية” على عمليات النهب، أنشأت جماعة الحوثي ما يسمى “المجلس الأعلى لإدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية” (سكمشا)، وهو الكيان الذي بات يمثل العثرة الأكبر أمام أي جهد إغاثي حقيقي.
يعمل هذا المجلس كمصفاة أمنية واستخباراتية، حيث يفرض على المنظمات الأممية والدولية شروطًا تعجيزية، منها الحصول على تصاريح مسبقة لكل تحرك، وفرض موظفين تابعين للجماعة داخل هذه المنظمات، والاطلاع على بيانات المستفيدين السرية.
وترى مصادر، أن هذه البيروقراطية المتعمدة تتيح للحوثيين التلاعب بالكميات المخصصة للمناطق المنكوبة، حيث يتم احتجاز الشاحنات في المداخل الجمركية المستحدثة لأسابيع طويلة حتى تتعرض المواد للتلف، أو يتم استبدالها بمواد أقل جودة، بينما تذهب الشحنات الأصلية إلى مخازن سرية تابعة لما يسمى “المجهود الحربي”.
إن هذا التحكم المطلق في سلاسل الإمداد جعل من العمل الإنساني في مناطق سيطرة الحوثي مجرد واجهة لتمويل آلة الحرب، وهو ما دفع العديد من المنظمات الدولية في فبراير 2026 إلى التهديد بتعليق أنشطتها احتجاجًا على هذا التدخل السافر.
الأسواق السوداء وتجارة المعاناة الإنسانية
لا تتوقف جرائم الحوثي عند حدود تحويل المساعدات للمقاتلين، بل تمتد لتشمل إنشاء “اقتصاد موازٍ” يعتمد على بيع المعونات الدولية في الأسواق المحلية.
يلاحظ المتجول في شوارع صنعاء ومدن أخرى تحت سيطرة الجماعة انتشار سلع غذائية وأدوية تحمل شعارات “برنامج الغذاء العالمي” أو “اليونيسف” وهي تُباع علنًا بأسعار باهظة في الأسواق السوداء التي يديرها قادة حوثيون.
هذه التجارة المحرمة تدر مبالغ طائلة على خزينة الجماعة، حيث يتم سحب المساعدات من مراكز التوزيع المخصصة للفقراء وإعادة ضخها في السوق لامتصاص ما تبقى من سيولة نقدية لدى المواطنين.
إن استغلال حاجة الناس للغذاء والدواء وتحويل المساعدات المجانية إلى سلع تجارية يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان، حيث يساهم هذا السلوك في رفع معدلات التضخم وزيادة رقعة الفقر، مما يجعل اليمن يعيش في حلقة مفرغة من الجوع المفتعل الذي يخدم استدامة بقاء الجماعة في السلطة عبر إضعاف المجتمع وإنهاكه بالبحث عن لقمة العيش اليومية.
هناك مطالبات متزايدة بضرورة تفعيل آليات رقابة مستقلة وصارمة، واستخدام التكنولوجيا الرقمية لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها الفعليين عبر بصمة العين أو البطاقات الذكية، وهو ما ترفضه الجماعة بشدة وتعرقل تطبيقه منذ سنوات.
إن استمرار تدفق أموال المانحين دون ضمانات حقيقية يعني ببساطة المشاركة غير المباشرة في تمويل الحرب وإطالة أمد معاناة اليمنيين، وهو ما يتطلب وقفة جادة لإعادة صياغة العمل الإغاثي في اليمن بعيدًا عن هيمنة السلاح وسلطة المليشيا التي لا تتردد في سرقة الخبز من أفواه الأطفال لتغذية محارقها العبثية.
إن الأرقام الصادرة عن الهيئات الدولية في 2026 تحذر من انزلاق مناطق شاسعة نحو المجاعة الحقيقية إذا لم يتم فك الارتباط بين العمل الإغاثي والأجندة العسكرية الحوثية، و إن قصص الأسر التي تنام خاوية الأمعاء بينما تمتلئ مخازن المليشيا بالدقيق والزيوت المنهوبة تمثل وصمة عار في جبين الإنسانية، كما أن المعركة اليوم في اليمن هي معركة كرامة وغذاء، ولن يغفر التاريخ لكل من ساهم في تجويع شعب بأكمله من أجل أوهام السلطة والتوسع الطائفي.

