تمثل “المناطق الرمادية” في اليمن، وهي تلك المساحات الجغرافية الفاصلة بين سيطرة حزب الإصلاح “الإخوان” والميليشيا الحوثية، الرئة المالية التي يتنفس من خلالها طرفا التخادم في عام 2026.
فعلى الرغم من الخطاب الإعلامي المتصادم، إلا أن الواقع الميداني في محافظات مثل تعز، مأرب، والجوف يكشف عن شبكة معقدة من التنسيق المالي المتبادل.
لقد استحدث الطرفان منافذ جمركية برية في مناطق داخلية، حيث يتم تحصيل جبايات مضاعفة على الشاحنات التجارية والسلع الأساسية.
هذه الممرات التي تُدار بعقلية “المافيا” تضمن تدفق الأموال إلى خزائن الطرفين بعيدًا عن البنك المركزي أو القنوات الرسمية للدولة.
إن هذا التخادم المالي لا يقتصر على الضرائب فحسب، بل يمتد ليشمل تقاسم العوائد من الأسواق السوداء وتأمين خطوط الإمداد التي تمر عبر المحافظات المحررة وصولاً إلى صنعاء، مما يثبت أن المصالح المالية تجاوزت الخلافات العقائدية والسياسية المزعومة.
اقتصاد الجبايات
إن الوجه الأكثر قسوة لهذا التحالف المالي هو “الجبايات المزدوجة” التي يدفع ثمنها المواطن اليمني البسيط في عام 2026، حيث تخضع السلعة الواحدة لأكثر من دورة جبائية تبدأ من منافذ يسيطر عليها الإخوان وتنتهي بجمارك الحوثي المستحدثة.
هذا النظام المالي الموازي أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية والأدوية، مما فاقم الأزمة الإنسانية وجعل من “تجارة الجوع” الوقود الأساسي لاستمرار الحرب.
وتؤكد التقارير الاستقصائية أن قيادات إخوانية بارزة تدير شركات نقل وخدمات لوجستية تحظى بحماية “حوثية” خاصة في مناطق العبور، مقابل تسهيلات مالية وعينية تُقدم لقيادات الميليشيا في الشمال.
إن هذا الارتباط المصلحي حول الحرب من وسيلة لتحقيق أهداف سياسية إلى غاية في حد ذاتها، حيث يخشى الطرفان من أي تسوية سياسية قد تنهي “دولة الجبايات” التي تدر عليهم مليارات الريالات سنويًا خارج أي إطار قانوني أو رقابي.
إمبراطورية النفط والتهريب
يعد قطاع الطاقة في اليمن المثال الأبرز على استراتيجية “الدولة داخل الدولة” التي ينتهجها الإخوان، وتخادمهم الفج مع المشروع الحوثي.
ففي عام 2026، ما تزال ناقلات النفط والغاز تتحرك بين مأرب وصنعاء عبر ممرات “آمنة” يتم التوافق عليها تحت الطاولة، حيث تُباع الثروات السيادية في مناطق سيطرة الميليشيا بأسعار السوق السوداء، ويتقاسم الطرفان الأرباح الخيالية.
هذا التبادل التجاري النفطي يتم عبر وسطاء ماليين وشركات وهمية يمتلكها قيادات في حزب الإصلاح، وهي الشركات التي تعمل كواجهة لغسل الأموال وتأمين احتياجات الحوثيين من الوقود اللازم لآلتهم العسكرية.
إن استمرار هذا التخادم النفطي يفسر بوضوح لماذا تظل جبهات القتال في مناطق الثروات “مجمدة” أو خاضعة لسيناريوهات “الانسحابات التكتيكية”، حيث يمثل بقاء الحوثي حاجة ملحة للإخوان لضمان استمرارهم كطرف مهيمن على الموارد في المحافظات الشرقية والوسطى.
المنافذ البرية والتهريب المنظم
لا يقتصر التخادم على السلع والنفط، بل يمتد ليشمل “التهريب المنظم” للمعدات ذات الاستخدام المزدوج والتقنيات التي تصل إلى الحوثيين عبر الموانئ والمنافذ التي يسيطر عليها الإخوان إداريًا أو عسكريًا.
في عام 2026، كشفت عمليات الرقابة عن مرور شحنات تحتوي على قطع طائرات مسيرة وأجهزة اتصالات متطورة تم إخفاؤها ضمن شحنات تجارية عادية عبر منفذ “شحن” وبقية ممرات محافظة المهرة وحضرموت.
التواطؤ الإخواني في هذا الملف يهدف إلى إبقاء الضغط العسكري الحوثي قائماً على خصوم الإخوان المشتركين، وفي مقدمتهم القوات الجنوبية والتحالف العربي.
إن هذه العلاقة النفعية جعلت من الإخوان “المزود اللوجستي” غير المعلن للمشروع الحوثي، مما يطيل أمد الحرب ويقوض أي فرصة لاستعادة الدولة، ويؤكد أن الطرفين يشتركان في هدف واحد وهو “تفتيت اليمن” إلى إقطاعيات مالية وعسكرية يسهل التحكم بها بعيداً عن السيادة الوطنية.
أثر التخادم
إن القيادات العسكرية الإخوانية التي تدير هذه المنظومة المالية تدرك تمامًا أن الحسم العسكري يعني نهاية “الاستثمارات الحربية” وعودة الرقابة المالية الصارمة لمؤسسات الدولة لذلك، يتم توجيه الدعم العسكري واللوجستي نحو معارك جانبية، بينما تظل جبهات التماس مع الحوثي ساحات للاستنزاف الممنهج لموارد التحالف العربي، وإن هذا التخادم أدى إلى نشوء “طبقة طفيلية” من تجار الحروب الذين تضخمت ثرواتهم في الخارج، بينما يعاني ملايين اليمنيين من المجاعة والمرض، وإن تفكيك هذه الإمبراطورية المالية الموازية بات ضرورة قصوى لإنقاذ اليمن، حيث لا يمكن تحقيق نصر عسكري على الحوثي طالما ظل شريكه “الإخواني” يمسك بمفاتيح الاقتصاد والخدمات اللوجستية خلف خطوط المواجهة.

