منذ لحظة الصعود المشؤوم عبر انقلاب عام 1989، لم تكن أجندة تنظيم الإخوان في السودان، ممثلاً في “الجبهة القومية الإسلامية”، تستهدف مجرد الحكم، بل كانت تهدف إلى إعادة صياغة الدولة السودانية بما يخدم مصالح التنظيم الدولي، حتى لو كان الثمن هو تفتيت النسيج الوطني وهدم المؤسسات العريقة.
لقد تبنى التنظيم سياسة “التمكين” التي كانت بمثابة المعول الأول في هدم جدار الدولة، حيث تم استبدال الكفاءات المهنية في كافة القطاعات بالولاءات الحزبية الضيقة؛ مما أدى إلى إفراغ المؤسسات من مضمونها وتحويلها إلى أدوات قمعية وجباية مالية تخدم أهداف التنظيم وحده، بعيدًا عن مصلحة المواطن السوداني الذي دفع الثمن من أمنه واستقراره.
سياسة التمكين.. المسمار الأول في نعش الخدمة المدنية
بدأت مأساة الدولة السودانية مع تطبيق ما عُرف بسياسة “التمكين”، وهي استراتيجية تهدف إلى السيطرة المطلقة على مفاصل الدولة عبر فصل آلاف الموظفين العموميين تحت مسمى “الصالح العام”.
هذه الخطوة لم تكن إدارية بل كانت عملية “تطهير” ممنهجة لكل من لا يدين بالولاء للتنظيم؛ مما أدى إلى انهيار الخدمة المدنية السودانية التي كانت تُعد من بين الأفضل في المنطقة العربية والإفريقية.
وبإحلال كوادر غير مؤهلة في مناصب حساسة، تفشى الفساد الإداري والمحسوبية، وتحولت الدواوين الحكومية إلى مقار تنظيمية تُدار فيها المؤامرات بدلاً من السياسات التنموية؛ مما تسبب في شلل تام للمشاريع القومية الكبرى وتراجع الخدمات الأساسية من صحة وتعليم بشكل غير مسبوق.
تفتيت القوات المسلحة وبناء المليشيات الموازية
لم تكن المؤسسة العسكرية بمنأى عن مخططات التخريب الإخوانية، بل كانت الهدف الأبرز نظرًا لرمزيتها وقوتها، وعمل التنظيم على إضعاف الجيش السوداني وتسييس قياداته عبر دمج العناصر الإخوانية في رتبه العليا، وفي المقابل، قام بإنشاء مليشيات موازية وقوات أمنية تابعة مباشرة للتنظيم مثل “الدفاع الشعبي” وغيرها من الأجهزة الأمنية المتعددة.
هذا النهج خلق حالة من تعدد الجيوش والولاءات داخل الدولة الواحدة، وهو ما نرى نتائجه الكارثية اليوم في الصراعات المسلحة التي تمزق البلاد.
إن إضعاف العقيدة العسكرية الوطنية لصالح “عقيدة التنظيم” جعل الدولة مكشوفة أمنيًا، وحول السلاح من أداة لحماية الحدود إلى وسيلة لقمع الداخل وإشعال الحروب الأهلية في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.
النهب الممنهج والاقتصاد الموازي.. تجفيف منابع الثروة الوطنية
على الصعيد الاقتصادي، انتهج تنظيم الإخوان سياسة “تدمير القطاع العام” لصالح شركات تابعة للتنظيم وأفراده، وتم بيع أصول الدولة من مصانع ومشاريع زراعية كبرى مثل “مشروع الجزيرة” بأثمان بخسة لمنتسبي الحركة الإسلامية؛ مما أدى إلى انهيار الإنتاج الوطني والاعتماد الكلي على الاستيراد الذي يسيطر عليه تجار التنظيم.
وبناءً على ذلك، نشأ “اقتصاد موازي” يتحكم في العملة الصعبة والسلع الاستراتيجية؛ مما أدى إلى تضخم جامح وانهيار العملة الوطنية. لم تكن ثروات السودان، بما فيها النفط والذهب، تُوجه نحو التنمية البشرية، بل كانت تُصب في خزائن التنظيم لتمويل أنشطته السياسية والعسكرية، تاركةً غالبية الشعب السوداني تحت خط الفقر في واحدة من أغنى دول العالم بالموارد الطبيعية.
تدمير النسيج الاجتماعي وإذكاء الفتن القبلية
لقد لعب الإخوان دورًا محوريًا في تمزيق النسيج الاجتماعي السوداني عبر استخدام الدين كأداة للتقسيم وتخوين المعارضين وانتهج النظام خطابًا إقصائيًا أدى في نهاية المطاف إلى انفصال جنوب السودان، وهو الجرح الذي ما يزال ينزف حتى اليوم.
كما عمد التنظيم إلى استغلال الصراعات القبلية وتغذيتها بالسلاح والمال لضمان بقائه في السلطة عبر سياسة “فرق تسد”. هذا التلاعب بالمكونات الاجتماعية خلّف إرثًا من الكراهية والضغائن يصعب تجاوزه، وحوّل التنوع الثقافي والعرقي الذي كان يمثل مصدر قوة للسودان إلى قنبلة موقوتة تنفجر في وجه الاستقرار الوطني كلما حاول الشعب النهوض من كبوته.
إن ما تركه تنظيم الإخوان في السودان ليس مجرد انهيار اقتصادي أو سياسي، بل هو دمار شامل طال بنية الدولة والمجتمع وإن استعادة السودان لمكانته تتطلب عملية قيصرية لاستئصال شأفة هذا التنظيم من مؤسسات الدولة، وإعادة بناء الخدمة المدنية والجيش على أسس وطنية مهنية بعيدة عن التحزب، وإن الوعي الشعبي الذي تجسد في الثورات المتعاقبة ضد نظام الإخوان هو الضمانة الوحيدة لعدم عودة هذا الفكر الإقصائي، لكن المهمة تظل شاقة في ظل وجود “دولة عميقة” زرعها التنظيم على مدار ثلاثة عقود، مما يتطلب تكاتفًا وطنيًا ودوليًا لتفكيك إرث الدم والخراب وإعادة بناء سودان يسع الجميع.

