ذات صلة

جمع

واشنطن تدرس مصادرة ناقلات النفط الإيرانية كوسيلة ضغط على طهران

تدرس إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خيارًا مثيرًا للجدل...

خيارات واشنطن مع طهران.. بين الدبلوماسية وتهديد المواجهة

اتجهت الأنظار إلى العاصمة الأمريكية واشنطن مع تصاعد التوترات...

كواليس التمكين العسكري.. كيف يخطط الإخوان لاستخدام كتيبة البراء كأداة ضغط سياسي؟

في تطور دراماتيكي يعكس طموحات الحركة الإسلامية في السودان،...

بين الفقر والتهميش.. كيف اتسعت الفوارق الاجتماعية في الرعاية الصحية بتونس؟

يواجه القطاع الصحي في تونس اليوم تحديات جسيمة لم تعد تقتصر على نقص المعدات أو الأدوية فحسب، بل تمتد لتشمل أزمة بنيوية عميقة تتعلق بالعدالة الاجتماعية والمساواة في الحق بالحياة.

فرغم أن الدستور التونسي يضمن الحق في الصحة لكل مواطن، إلا أن الواقع الميداني يكشف عن فجوة هائلة تتسع يومًا بعد يوم بين فئات المجتمع والجهات الجغرافية.

هذه الفوارق لم تكن وليدة الصدفة، بل هي نتاج تراكمات لعقود من السياسات التنموية غير المتوازنة التي ركزت الاستثمارات والخدمات الكبرى في المناطق الساحلية والعاصمة، تاركةً المناطق الداخلية والحدودية في مواجهة ما يسمى بـ “التهميش الصحي الممنهج”.

وقالت مصادر: إن المواطن التونسي البسيط، الذي يعاني أصلاً من تآكل قدرته الشرائية، يجد نفسه اليوم مضطرًا للاختيار بين انتظار طويل في مستشفيات عمومية متهالكة أو اللجوء إلى قطاع خاص باهظ الكلفة لا يقدر عليه إلا الأثرياء.

تآكل المرفق العام وصعود الطبقية الصحية في تونس

لقد كانت المستشفيات العمومية التونسية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي نموذجًا يُحتذى به في المنطقة الإفريقية والعربية، لكن الصورة اليوم تغيرت بشكل دراماتيكي نتيجة تراجع ميزانيات الدعم الموجهة للصحة العمومية.

هذا التآكل أدى إلى ظهور “طبقية صحية” واضحة، حيث أصبح المرفق العام ملاذًا وحيدًا للفقراء والمهمشين الذين يواجهون طوابير انتظار تمتد لأشهر وسنوات من أجل عمليات جراحية بسيطة أو صور أشعة حيوية.

وفي المقابل، نجد ازدهارًا منقطع النظير للمصحات الخاصة التي تتوفر فيها أحدث التكنولوجيات الطبية، لكنها تظل محرمة على الغالبية العظمى من التونسيين. هذا الانفصام في المنظومة الصحية خلق شعوراً بالمرارة لدى المواطن الذي يرى أن حقه في العلاج أصبح مرتبطاً مباشرة بحجم رصيده البنكي، مما يضرب في مقتل مبدأ المواطنة المتساوية.

معاناة المناطق الداخلية في غياب أطباء الاختصاص

لا يمكن الحديث عن الفوارق الاجتماعية دون التطرق إلى التفاوت الجهوي الصارخ، حيث تعاني ولايات مثل القصرين، وسيدي بوزيد، وتطاوين، وجندوبة مما يُعرف بـ “الصحاري الطبية”.

هذه المناطق، التي يسكنها الملايين، تفتقر إلى الحد الأدنى من أطباء الاختصاص في مجالات حيوية مثل طب النساء، والقلب، والأورام. ويضطر المرضى في هذه الجهات إلى قطع مئات الكيلومترات للوصول إلى المستشفيات الجامعية في العاصمة أو الساحل، وهو ما يفاقم حالتهم الصحية ويزيد من معاناتهم المادية.

إن غياب الحوافز الحقيقية لتشجيع الأطباء الشبان على الاستقرار في المناطق الداخلية، إلى جانب نقص المعدات الطبية في المستشفيات الجهوية، جعل من الحق في الصحة مجرد حبر على ورق لسكان تونس العميقة الذين يدفعون ثمن التمركز الإداري والخدماتي.

الأزمة الاقتصادية

لقد ألقت الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها تونس بظلالها الثقيلة على قطاع الأدوية، حيث شهدت الصيدليات نقصًا حادًا في العديد من الأدوية الحيوية، وخاصة تلك المخصصة للأمراض المزمنة مثل السكري وضغط الدم.

هذا النقص أصاب الفئات الفقيرة في مقتل، حيث لا يملك هؤلاء البدائل المالية لتعويض نقص الأدوية من خلال السوق الموازية أو الشراء من الخارج.

كما أن ارتفاع أسعار الخدمات الطبية في القطاع الخاص، وتراجع قيمة التعويضات التي يقدمها الصندوق الوطني للتأمين على المرض “كنام”، جعل الكثير من العائلات التونسية تقع تحت خط الفقر بسبب “النفقات الصحية الكارثية”. فالمرض المفاجئ لأحد أفراد الأسرة قد يعني اليوم بيع ممتلكات أو الاقتراض، مما يعمق دائرة الفقر والتهميش الاجتماعي في البلاد.

هجرة الكفاءات الطبية

تعتبر هجرة الأطباء التونسيين نحو الخارج، وخاصة نحو أوروبا ودول الخليج، أحد أخطر التحديات التي تفاقم الفوارق الصحية داخل البلاد. فبينما تستثمر الدولة أموالاً طائلة في تكوين الأطباء في كلياتها العمومية، تجد هذه الكفاءات نفسها مضطرة للهجرة بحثاً عن ظروف عمل أفضل ورواتب مجزية، هربًا من ضغط العمل في المستشفيات العمومية المفتقرة للإمكانيات.

هذا النزيف المستمر يؤدي إلى إفراغ المؤسسات الصحية العمومية من خيرة خبراتها، مما يترك المواطن البسيط وجهًا لوجه مع متدربين أو نقص حاد في الأطقم الطبية والمستفيد الوحيد من هذا الوضع هو القطاع الخاص الذي يستقطب من تبقى من الكفاءات، أو الدول الأجنبية التي تحصل على أطباء جاهزين، بينما يظل الفقير التونسي هو الضحية الأولى لهذا الفراغ الطبي.

إن استعادة العدالة الصحية في تونس ليست مجرد ترف سياسي، بل هي ضرورة وطنية ملحة لضمان السلم الاجتماعي وإن ردم فجوة الفوارق الاجتماعية يتطلب رؤية شجاعة تتجاوز المسكنات المؤقتة، لتبدأ بإصلاح حقيقي لصناديق الضمان الاجتماعي، وتوجيه استثمارات ضخمة لتأهيل المستشفيات الجهوية في المناطق الداخلية.

ولا يمكن لتونس أن تحقق نهضة حقيقية وجزء كبير من شعبها يشعر بالدونية عند المرض، أو يخشى من الوفاة لمجرد أنه يسكن بعيداً عن المركز وإن الصحة يجب أن تعود كحق إنساني مقدس لا يخضع للمزايدات، ومن واجب الدولة أن تفرض توازنًا بين القطاعين العام والخاص يضمن للجميع، مهما كان مستواهم الاجتماعي، الوصول إلى رعاية طبية تحفظ كرامتهم وتصون حقهم في الحياة.