ذات صلة

جمع

استعراض قوة محسوب في هرمز.. واشنطن وطهران يرفعان سقف الضغط بلا مواجهة

يشهد مضيق هرمز خلال هذه الأيام تصاعدًا لافتًا في...

احتجاجات حاشدة تهز الشارع الإسرائيلي ضد حكومة نتنياهو

شهدت إسرائيل موجة جديدة من الاحتجاجات الواسعة، حيث خرج...

من بغداد إلى سوريا.. هل ينجح العراق في تجفيف منابع المخدرات العابرة للحدود؟

إن نجاح الاستخبارات العراقية في اختراق المجموعات المسلحة والمافيات...

من بغداد إلى سوريا.. هل ينجح العراق في تجفيف منابع المخدرات العابرة للحدود؟

إن نجاح الاستخبارات العراقية في اختراق المجموعات المسلحة والمافيات التي تدير “مملكة الكبتاجون” في المناطق الحدودية السورية، يرسل رسالة واضحة مفادها أن العراق لم يعد يكتفي بدور المتلقي للصدمات أو “دولة الممر” للمواد المخدرة، بل أصبح لاعباً فاعلاً يمتلك القدرة على ملاحقة رؤوس الجريمة المنظمة في ملاذاتهم البعيدة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات كبرى حول قدرة بغداد على قيادة جهد إقليمي موحد لإنهاء هذه الآفة التي باتت تهدد الأمن القومي العربي برمته.


وتشير التفاصيل المسرّبة عن العملية إلى تنسيق عالِ المستوى جرى خلف الكواليس بين الأجهزة الأمنية في بغداد ودمشق، مدعوماً بمعلومات استخباراتية دقيقة وفرتها الأقمار الصناعية وطائرات الاستطلاع المُسيَّرة.


لقد استهدفت الضربة مراكز تجميع وتصنيع متطورة، ومستودعات سرية كانت تُستخدم لتخزين ملايين الحبوب المخدرة قبل تهريبها عبر المسالك الصحراوية الوعرة نحو المدن العراقية، ومنها إلى دول الجوار.


إن هذا الاختراق يثبت أن العراق بات يمتلك “أذرعاً أمنية طويلة” قادرة على العمل في بيئات معقدة أمنياً مثل الساحة السورية، وهو ما يمثل ضربة قاصمة لشبكات التمويل التي تعتمد عليها الجماعات الخارجة عن القانون لتغذية أنشطتها التخريبية، حيث تُقدَّر الأرباح السنوية لهذه الشبكة التي تم تفكيكها بمليارات الدولارات، مما يجعل من تدميرها انتصاراً اقتصادياً وأمنياً في آنٍ واحد.


استراتيجية “الضربة الاستباقية”.. لماذا اختار العراق ملاحقة المافيات في سوريا؟


لقد أدركت القيادة الأمنية في بغداد أن تشديد الرقابة على الحدود الممتدة لأكثر من 600 كيلومتر مع سوريا، رغم أهميته، يبقى حلاً جزئياً أمام ابتكارات المهربين الذين يستخدمون “الدرونات” والأنفاق والجِمال المفخخة، ومن هنا جاء القرار بتبني استراتيجية “الضربة الاستباقية” في عام 2026، والتي تعتمد على ملاحقة “العقل المدبر” والممول قبل وصول المنتج إلى الحدود.


إن ملاحقة الشبكة داخل سوريا تهدف إلى تدمير البنية التحتية للتصنيع والخدمات اللوجستية للشبكات الدولية، مما يرفع كلفة التهريب ويقلل من فرص وصول هذه السموم إلى الشباب العراقي. هذه الاستراتيجية تعكس نضجاً في التفكير الأمني، حيث يتم التعامل مع المخدرات ليس كقضية جنائية فحسب، بل كـ”سلاح هجين” يُستخدم لتقويض الاستقرار المجتمعي والسياسي في الدولة العراقية.


علاوة على ذلك، فإن العملية العراقية في سوريا تُسهم في كشف الغطاء عن “تحالفات الظل” التي تجمع بين تجار المخدرات وبعض الجماعات المسلحة التي تسيطر على مناطق رخوة أمنياً.


إن تفكيك هذه الشبكة يعني عملياً قطع شريان مالي حيوي كان يغذي النزاعات المسلحة في المنطقة، مما ينعكس إيجاباً على أمن المحافظات الغربية والشمالية في العراق، وإن الرسالة العراقية من وراء حدود سوريا كانت واضحة: “لا ملاذ آمن لمن يهدد أمننا الصحي والمجتمعي”.


هذا التحرك الجريء عزز من ثقة المجتمع الدولي في المؤسسة الأمنية العراقية، وبدأ يطرح بغداد كشريك أساسي في “الحرب العالمية على المخدرات”، وهو ما قد يُترجم مستقبلاً إلى تعاون استخباراتي أوسع مع الإنتربول والمنظمات الدولية لملاحقة غسيل الأموال المرتبط بهذه التجارة القذرة.


دبلوماسية الأمن والحدود.. هل ينجح التنسيق العراقي السوري في الحسم؟


تمثل عملية عام 2026 اختباراً حقيقياً لمدى فاعلية التعاون الأمني بين بغداد ودمشق؛ فبينما تعاني سوريا من تحديات السيادة والسيطرة على كامل أراضيها، يوفر التدخل الاستخباراتي العراقي “الموجّه” دعماً فنياً وعملياتياً يساعد الجانب السوري في تطهير مناطق حدودية كانت تُعتبر “مناطق سوداء”.


إن نجاح هذا التنسيق قد يمهد لتأسيس “غرفة عمليات مشتركة دائمة” لمكافحة المخدرات، تتجاوز الحساسيات السياسية وتركز على الهدف المهني.


ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة، خاصة في ظل وجود مساحات شاسعة من البادية السورية لا تخضع لسيطرة مركزية، مما يتطلب استمرار العمليات النوعية والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة بدلاً من الانتشار العسكري التقليدي الذي قد يكون مكلفاً وغير فعال في ملاحقة عصابات صغيرة ومتحركة.


من جانب آخر، يرى مراقبون أن نجاح العراق في تجفيف منابع المخدرات في سوريا سيعود بالنفع المباشر على دول الخليج العربي والأردن، التي تُعتبر المقصد النهائي لكثير من شحنات “الكبتاجون” العابرة للحدود العراقية، هذا الدور “الحمائي” الذي لعبه العراق في هذه العملية يعزز من مكانته في المنظومة الأمنية العربية، ويجعله “حائط الصد الأول” ضد موجات الإغراق الكيميائي التي تستهدف المنطقة. إن استعادة العراق لزمام المبادرة الأمنية في ملف المخدرات الدولي يعكس استقرار الدولة وقدرتها على تصدير الأمن بدلاً من استيراد الأزمات، وهو ما يمثل تحولاً تاريخياً في دور بغداد الإقليمي خلال العقد الحالي.


هل تكون عملية سوريا هي الضربة القاضية؟


رغم ضخامة الإنجاز الأمني المتمثل في تفكيك هذه الشبكة الدولية، إلا أن الخبراء يحذرون من أن “حرب السموم” هي حرب استنزاف طويلة الأمد، فالمافيات الدولية تمتلك القدرة على إعادة تشكيل نفسها بأسماء وواجهات جديدة. لذا، فإن استدامة النجاح تتطلب من العراق الاستمرار في تطوير منظومات الرصد والمراقبة، وتفعيل قوانين صارمة لملاحقة “الحيتان الكبيرة” في الداخل الذين يسهلون مرور هذه الشحنات.


إن تجفيف المنابع في سوريا هو “نصف المعركة”، أما النصف الآخر فيكمن في تحصين الجبهة الداخلية عبر التوعية والوقاية، ومعالجة الأسباب الاقتصادية التي تدفع البعض للانخراط في هذه التجارة أو الوقوع في فخ الإدمان.