كشفت الجولة الأخيرة من المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران عن عمق الخلافات المتراكمة بين الطرفين، رغم محاولات الإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة.
وأظهرت هذه المحادثات، التي عُقدت بوساطة إقليمية، أن الفجوة بين موقفي واشنطن وطهران ما تزال واسعة، خاصة فيما يتعلق بالملف النووي وحدود التفاهم الممكنة في المرحلة الحالية.
ضرورة فرض قيود صارمة على النووي الإيراني
ففي حين تركز الولايات المتحدة على ضرورة فرض قيود صارمة على الأنشطة النووية الإيرانية، بما يضمن منع طهران من الاقتراب من امتلاك قدرات عسكرية نووية، تتمسك إيران بموقفها القائم على اعتبار برنامجها النووي حقاً سيادياً لا يمكن التنازل عنه.
وترفض طهران أي شروط تتجاوز الإطار النووي، لا سيما تلك المتعلقة ببرنامج الصواريخ الباليستية أو دورها الإقليمي، معتبرة أن إدخال هذه الملفات يمثل محاولة لتوسيع نطاق الخلاف بدل حله.
وعلى الرغم من هذا التباين الواضح، حرص الطرفان على إرسال إشارات توحي بعدم الرغبة في الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، في وقت تشهد فيه المنطقة حالة من عدم الاستقرار. ويعكس استمرار المحادثات، حتى وإن كانت بطيئة ومحدودة النتائج، إدراكًا متبادلاً بأن التصعيد العسكري قد يترتب عليه كلفة سياسية وأمنية واقتصادية يصعب احتواؤها.
نقاش متزايد في مسار التفاوض
في المقابل، يبرز داخل الولايات المتحدة نقاش متزايد حول جدوى الاستمرار في مسار تفاوضي لا يحقق اختراقات ملموسة، وسط ضغوط داخلية تدعو إلى تشديد الموقف تجاه إيران.
كما تواجه الإدارة الأميركية تحديات في الموازنة بين متطلبات الأمن القومي، والتزاماتها تجاه حلفائها في المنطقة، والرغبة في تجنب فتح جبهة صراع جديدة.
أما على الجانب الإيراني، فتسعى القيادة السياسية إلى استثمار المحادثات كورقة دبلوماسية تخفف من حدة الضغوط الاقتصادية المفروضة عليها، دون تقديم تنازلات جوهرية يمكن أن تُفسر داخليًا على أنها تراجع أمام الضغوط الخارجية.
ويبدو أن طهران تراهن على عامل الوقت، وعلى التغيرات المحتملة في المشهدين الإقليمي والدولي، لتعزيز موقعها التفاوضي.
سياق إقليمي بالغ التعقيد
وتأتي هذه المحادثات في سياق إقليمي بالغ التعقيد، حيث تتداخل الملفات النووية مع صراعات متعددة في الشرق الأوسط، ما يجعل أي تقدم في المسار الأميركي – الإيراني مرهوناً بعوامل تتجاوز طاولة التفاوض نفسها.
كما تتابع قوى إقليمية ودولية هذه التطورات بحذر، خشية أن يؤدي فشل الحوار إلى تصعيد ينعكس على أمن المنطقة واستقرارها.
وتعكس محادثات “الفجوة العميقة” واقع العلاقة بين واشنطن وطهران، حيث ما تزال الخلافات الجوهرية أقوى من فرص التفاهم، رغم وجود رغبة معلنة في تجنب التصعيد. وبين تمسك كل طرف بخطوطه الحمراء، يبقى المسار الدبلوماسي قائمًا، وإن كان محاطًا بقدر كبير من الشكوك حول قدرته على تحقيق اختراق حقيقي في المستقبل القريب.

