ذات صلة

جمع

الأزمة الليبية تتصاعد مجددًا.. صراع السلطة يُهدد الاستقرار السياسي في البلاد

أعاد اغتيال سيف الإسلام القذافي خلط الأوراق في المشهد...

الموت تحت الأنقاض.. كيف يعيق نقص الوقود بغزة آليات الدفاع المدني والبلديات؟

في ظل تصاعد وتيرة العدوان المستمر على قطاع غزة، تبرز أزمة نقص الوقود كواحدة من أبشع أدوات القتل البطيء التي تفتك بالسكان، حيث لم تعد المشكلة تقتصر على غياب الضوء أو التدفئة، بل امتدت لتشل عصب الحياة الأساسي المتمثل في آليات الدفاع المدني وطواقم البلديات.

إن المشهد المأساوي في أحياء غزة المدمرة اليوم يعكس عجزًا بشريًا فرضته السياسات القمعية؛ إذ تقف الجرافات العملاقة وسيارات الإنقاذ والاطفاء مشلولة تمامًا أمام أكوام الركام التي تخفي تحتها آلاف الأجساد، والسبب هو نفاذ لترات السولار التي كان من المفترض أن تحرك هذه الآليات لإنقاذ الأرواح.

هذا العجز القسري حول مهمة انتشال العالقين من “مهمة إنسانية عاجلة” إلى “مهمة مستحيلة”، ليصبح الموت تحت الأنقاض قدرًا محتومًا يواجهه الفلسطينيون في غزة وهم يسمعون أنين أحبائهم دون قدرة على الوصول إليهم، وسط صمت دولي يراقب احتضار قطاع كامل بسبب منع إمدادات الطاقة الحيوية.

وتؤكد التقارير الميدانية الصادرة عن اتحاد بلديات غزة وجهاز الدفاع المدني، أن أكثر من 80% من الآليات الثقيلة المخصصة لرفع الأنقاض قد خرجت عن الخدمة فعليًا، ليس بسبب القصف المباشر فحسب، بل نتيجة النفاذ التام للوقود والزيوت اللازمة للتشغيل.

إن بقاء عشرة آلاف مفقود تحت الأنقاض -كما تشير تقديرات مجمع الشفاء الطبي- ليس رقمًا إحصائيًا عابرًا، بل هو نتيجة مباشرة لمنع دخول الوقود الذي يعيق محركات الإنقاذ عن العمل.

ومع كل ساعة تمر دون وقود، تتلاشى فرص العثور على أحياء، وتتحول الأبنية المهدمة إلى مقابر إسمنتية تبتلع أحلام عائلات بأكملها، في جريمة حرب مكتملة الأركان تستهدف شل قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود والتعافي من آثار القصف والتدمير الممنهج الذي طال البنية التحتية والمربعات السكنية.

شلل آليات الدفاع المدني

يعيش ضباط ومنقذو الدفاع المدني في غزة حالة من القهر الميداني، حيث يضطرون للتعامل مع منازل مكونة من عدة طوابق سويت بالأرض باستخدام “الأيدي العارية” وأدوات يدوية بدائية وبسيطة، بسبب توقف الحفارات والرافعات التي تعمل بمحركات الديزل الكبيرة.

إن محاولة رفع سقف إسمنتي يزن أطنان باستخدام مطرقة يدوية هي عملية تستغرق أيامًا، بينما يحتاج العالقون تحت الركام إلى دقائق لإنقاذهم قبل نفاذ الأكسجين أو الوفاة نتيجة النزيف، هذا الفارق الزمني القاتل هو ما يفسر الارتفاع الحاد في أعداد الضحايا الذين يتم انتشالهم جثثاً هامدة بعد فوات الأوان.

ويشير المتحدثون باسم الدفاع المدني إلى أن لترات قليلة من الوقود كانت كفيلة بتحريك رافعة واحدة لإنقاذ عائلة كاملة، لكن الحصار المطبق يحول دون ذلك، مما يجعل من نقص الوقود أداة إعدام مباشرة للمصابين العالقين.

علاوة على ذلك، فإن نقص الوقود لم يؤثر فقط على الآليات الثقيلة، بل امتد ليشمل سيارات الإسعاف التي باتت تتحرك بحدها الأدنى، وسيارات الإطفاء التي لا تستطيع الوصول إلى الحرائق الناجمة عن القصف في الوقت المناسب.

إن تداخل الأزمات المرتبطة بالطاقة خلق حلقة مفرغة من الموت؛ فالبلديات لا تستطيع فتح الطرق المغلقة بالركام بسبب نقص وقود الجرافات، مما يمنع سيارات الإسعاف التي تعاني من نقص الوقود، من الوصول إلى مواقع الاستهداف، وهو ما يترك الضحايا ينزفون حتى الموت في مواقعهم.

هذا الشلل الممنهج في منظومة الإغاثة والطوارئ يعكس استراتيجية واضحة تهدف إلى رفع التكلفة البشرية للعدوان إلى أقصى حد ممكن عبر منع وسائل الإنقاذ من أداء مهامها الطبيعية المنصوص عليها في القوانين الدولية.

بلديات غزة وانهيار الخدمات الأساسية

من جانبه، حذر اتحاد بلديات غزة من أن أزمة الوقود قد جاوزت قدرة البلديات على التحمل، حيث توقفت تماماً مضخات المياه المعتمدة على المولدات، وتعطلت محطات معالجة الصرف الصحي، مما أدى إلى فيضان المياه العادمة في الشوارع المليئة بالأنقاض، هذا التدهور الخدمي لا يعيق عمليات الإنقاذ فحسب، بل يخلق بيئة موبوءة تزيد من معاناة النازحين وتعرقل حركة فرق الطوارئ.

إن تراكم النفايات الصلبة والركام في الممرات الضيقة يجعل من حركة الآليات القليلة التي يتوفر لها الوقود أمراً شبه مستحيل، مما يضطر فرق الإنقاذ لقطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام حاملين المعدات اليدوية الثقيلة، وهو ما يستنزف طاقة المسعفين ويؤخر الوصول إلى الضحايا في اللحظات الحرجة.

كما تشير البلديات إلى أن تدمير الاحتلال الممنهج لمخازن الوقود المركزية واستهداف صهاريج النقل قد جعل من عملية الحصول على لتر واحد من السولار بمثابة رحلة خطرة ومكلفة.

وفي ظل غياب الكهرباء العامة، تعتمد البلديات كليًا على المولدات لتشغيل آبار المياه، ونفاذ الوقود يعني العطش لآلاف العائلات التي لجأت المراكز، هذا الارتباط الوثيق بين الوقود والخدمات يجعل من قضية الطاقة قضية أمن قومي وإنساني بامتياز في قطاع غزة. فبدون وقود، تتوقف آلات الحياة وتتحول غزة إلى مدينة من الأنقاض الصامتة التي لا يقطع هدوءها إلا صرخات الاستغاثة من تحت الركام التي لا تجد من يجيبها سوى سواعد المنقذين المتعبة وأدواتهم البدائية.

المسؤولية الدولية والمطالبة بكسر حصار الطاقة العاجل

إن المجتمع الدولي والمنظمات الأممية، وعلى رأسها الأونروا ومنظمة الصحة العالمية، مطالبة اليوم باتخاذ إجراءات تتجاوز “القلق” اللفظي.

إن توفير الوقود لآليات الدفاع المدني والبلديات يجب أن يكون أولوية قصوى تتقدم على أي اعتبارات سياسية، لأن استمرار منعه يعني المشاركة الضمنية في جريمة القتل الجماعي تحت الأنقاض.

وتبرز في الأفق مبادرات مثل “أسطول الصمود” العالمي الذي يهدف لكسر الحصار برًا وبحرًا في مارس 2026، كأمل أخير لإدخال الوقود والمعدات الحيوية، ويجب أن تترافق هذه التحركات مع ضغط قانوني في محكمة العدل الدولية لاعتبار منع الوقود عن أجهزة الطوارئ والإنقاذ كجزء من أعمال الإبادة الجماعية، لما له من أثر مباشر ومقصود في تدمير الجماعة الوطنية الفلسطينية عبر حرمانها من سبل النجاة.