ما تزال تونس تتنفس تحت رئة “حالة الطوارئ” التي تم تمديدها بمرسوم رئاسي حتى نهاية العام الجاري، وهو ما يطرح تساؤلات ثقيلة حول ماهية الحياة اليومية للتونسيين الذين باتت القوانين الاستثنائية جزءًا أصيلًا من واقعهم المعيش.
فمن أقصى الجنوب في ولاية قابس، حيث تختلط أدخنة المصانع بصرخات الغضب البيئي، وصولاً إلى أزقة العاصمة ومدرجات جامعاتها التي تشهد حراكًا طلابيًا متصاعدًا، يبدو أن الخيط الناظم لهذه التحركات هو محاولة التكيف أو التمرد على قيود قانونية تمنح السلطات التنفيذية صلاحيات واسعة.
وقالت مصادر: إن “القوانين الاستثنائية” التي فُرضت في الأصل لمواجهة مخاطر الإرهاب، باتت اليوم تلقي بظلالها على الحق في التظاهر السلمي والتعبير عن الرأي، مما خلق حالة من الانقسام في الشارع التونسي بين من يراها ضرورة حتمية لحماية أمن الدولة من التفتت، وبين من يراها وسيلة لتطويق المطالب الاجتماعية المحقة وتقليص مساحة الفضاء المدني الذي انتزعته الثورة قبل أكثر من عقد.
احتجاجات قابس البيئية
في ولاية قابس، لم تعد حالة الطوارئ عائقًا أمام الأهالي والنشطاء البيئيين الذين خرجوا في وقفات احتجاجية حاشدة للتنديد بالتلوث الكيميائي الذي يفتك بالبحر والبر والإنسان.
هؤلاء المحتجون الذين يواجهون يوميًا “جريمة بيئية” مكتملة الأركان جراء مخلفات المجمع الكيميائي، يجدون أنفسهم في صراع مزدوج؛ صراع مع التلوث الذي يهدد حقهم في الحياة، وصراع مع القوانين الاستثنائية التي قد تُستخدم لتجريم تحركاتهم المطلبية.
إن حياة التونسي في قابس تغيرت لتصبح صمودًا يوميًا ضد المرض والتهميش، حيث يرى النشطاء أن الأولوية يجب أن تكون لـ “طوارئ بيئية وصحية” وليس فقط أمنية.
هذه الاحتجاجات تمثل رسالة قوية للسلطة في العاصمة بأن الجوع للهواء النقي والبيئة السليمة لا يمكن إسكاته بمجرد تمديد المراسيم، وأن “الحاضنة الشعبية” في الجهات الداخلية بدأت تضيق ذرعاً بالوعود التي لا تجد طريقًا للتنفيذ في ظل انشغال الدولة بالملفات السياسية والأمنية الصرفة.
الحراك الطلابي في تونس العاصمة
بالانتقال إلى العاصمة تونس، يبرز الحراك الطلابي كفاعل رئيسي في المشهد الاحتجاجي لعام 2026، حيث تشهد الجامعات وقفات احتجاجية مستمرة تعكس حالة من القلق تجاه السياسات التعليمية وضيق الآفاق الاقتصادية بعد التخرج، والطلاب الذين يمثلون الفئة الأكثر حيوية في المجتمع، يجدون أنفسهم تحت مجهر القوانين الاستثنائية التي تحد من قدرة المنظمات الطلابية على تنظيم الفعاليات الكبرى دون تصاريح أمنية معقدة.
إن حياة الطالب التونسي تغيرت من البحث عن المعرفة والتميز إلى الانخراط في معارك قانونية وحقوقية لانتزاع حق التعبير داخل الحرم الجامعي.
وترى مصادر، أن هذا الحراك الطلابي ليس مجرد مطالب نقابية، بل هو انعكاس لرفض جيل كامل لسياسة “تأميم الفضاء العام” التي تفرضها حالة الطوارئ، وهو ما ينذر باتساع فجوة الثقة بين الشباب التونسي ومؤسسات الدولة، خاصة في ظل غياب الحوار الحقيقي واستبداله بالمقاربات الأمنية للتعامل مع المطالب الشبابية.
الحراك المجتمعي وتحديات الاستقرار
رغم ثقل القوانين الاستثنائية، يثبت الحراك المجتمعي في تونس، من قابس إلى العاصمة، أنه حراك مرن وقادر على ابتكار أساليب جديدة للاحتجاج والتعبير.
إن تغير حياة التونسيين لم يؤدِ إلى الاستسلام، بل إلى وعي جمعي بضرورة الفصل بين مقتضيات محاربة الإرهاب وبين الحق في المطالبة بالكرامة والعدالة الاجتماعية.
يذكر، أن التحدي الأكبر الذي يواجه تونس في عام 2026 هو كيفية الخروج من “فخ الطوارئ الدائمة” والعودة إلى سيادة القانون العادي الذي يحترم الدستور والاتفاقيات الدولية، وإن استمرار تمديد الطوارئ قد يمنح شعورًا وهميًا بالاستقرار، لكنه في الحقيقة يراكم الاحتقان في الصدور، خاصة مع تردي الأوضاع المعيشية.
إن استعادة التونسيين لفضاءاتهم العامة وحرياتهم المسلوبة هي الطريق الوحيد لضمان استقرار حقيقي ومستدام، يتأسس على التوافق الوطني لا على قوة المراسيم الاستثنائية، لتبقى تونس دائمًا منارة للحرية والإرادة الشعبية التي لا تنكسر.

