ذات صلة

جمع

سلطة “أنقاض الخراب”.. كيف تعيد تهديدات البرهان إنتاج نسخة جديدة من الإقصاء السياسي؟

تشهد الساحة السودانية في الآونة الأخيرة تصعيدًا دراماتيكيًا في...

استعادة السيادة في شرق الفرات.. هل ينهي انتشار الجيش السوري عهد الازدواجية؟

مع إعلان البدء في تنفيذ الاتفاق الشامل بين الحكومة...

كسر الخطوط الحمراء.. هل اقتربت المواجهة المباشرة بين طهران وتل أبيب من نقطة اللاعودة؟

دخل الصراع الإيراني الإسرائيلي مرحلة جديدة ومنعطفًا تاريخيًا هو...

حروب الشوارع المستدامة.. كيف تستفيد شبكات الاتجار بالبشر من حالة الفوضى الأمنية في ليبيا؟

تعد مدينة الزاوية الليبية، الواقعة غرب العاصمة طرابلس، نموذجًا...

القاهرة تقود تحركًا دبلوماسيًا لخفض التصعيد في الشرق الأوسط

خبراء سياسيون: التحركات الدبلوماسية المصرية مفتاح تهدئة التوترات في...

حروب الشوارع المستدامة.. كيف تستفيد شبكات الاتجار بالبشر من حالة الفوضى الأمنية في ليبيا؟

تعد مدينة الزاوية الليبية، الواقعة غرب العاصمة طرابلس، نموذجًا صارخًا لما يمكن وصفه بـ “حروب الشوارع المستدامة”، حيث يتجدد تناحر المليشيات المسلحة بشكل دوري، مخلفًا وراءه حالة من الفشل الأمني الذريع الذي يلقي بظلاله على استقرار الدولة الليبية برمتها.

إن هذه الاشتباكات العنيفة التي تستخدم فيها الأسلحة المتوسطة والثقيلة داخل الأحياء السكنية المكتظة، لا تعكس فقط صراعًا على النفوذ السياسي أو الجغرافي، بل تخفي في طياتها اقتصادًا موازيًا قائمًا على استغلال الفوضى.

وفي قلب هذا المشهد الضبابي، تبرز شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين كأكبر المستفيدين من غياب سلطة الدولة المركزية وتفتت الأجهزة الأمنية.

فكلما اندلعت جولة جديدة من القتال، تشتتت جهود المراقبة وتراجعت القبضة الأمنية الضعيفة أصلاً، مما يمنح مافيا التهريب الدولية غطاءً مثاليًا لنقل آلاف المهاجرين عبر المسارات الصحراوية وصولاً إلى السواحل الليبية، تمهيدًا لإطلاقهم في “رحلات الموت” نحو أوروبا، وسط تقارير تؤكد وجود تواطؤ مريب بين بعض قادة المجموعات المسلحة وهذه الشبكات الإجرامية العابرة للحدود.

اقتصاد الظل العسكري

إن العلاقة بين المليشيات المسلحة في غرب ليبيا وشبكات الاتجار بالبشر ليست مجرد علاقة عارضة، بل هي تحالف استراتيجي قائم على المصالح المالية المتبادلة في ظل غياب الرقابة القانونية.

تعتمد المجموعات المسلحة في تمويل ترسانتها العسكرية ودفع رواتب مقاتليها على الجبايات التي تفرضها على خطوط التهريب التي تمر عبر مناطق نفوذها، بما في ذلك تهريب الوقود والمهاجرين غير الشرعيين.

ففي الزاوية تحديدًا، يمنح التناحر المستمر بين الفصائل المسلحة فرصة ذهبية لمهربي البشر لإدارة مراكز احتجاز سرية بعيدًا عن أعين المنظمات الدولية، حيث يتم استغلال المهاجرين في أعمال سخرية أو مقايضة حريتهم بفدية مالية من ذويهم.

هذا “الاستدامة” في الحروب تضمن بقاء المنطقة “منطقة رمادية” لا تخضع لسيادة القانون، مما يجعل من ليبيا منصة انطلاق عالمية لا تتأثر بالضغوط الدولية، طالما أن البندقية هي اللغة الوحيدة التي تحكم الأرض، وطالما أن الفوضى الأمنية هي المناخ الأمثل لنمو تجارة البشر.

غياب المؤسسة العسكرية وتداعياته على أمن المتوسط والساحل

يمثل تجدد الاشتباكات في الزاوية والمدن المجاورة لها طعنة في خاصرة الجهود الدولية والوطنية الرامية لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية، وهو ما ينعكس سلبًا على أمن حوض المتوسط ودول الجوار الأفريقي.

إن انشغال القوى العسكرية في الغرب الليبي بتأمين نفوذها ومواجهة خصومها المحليين يترك الحدود الجنوبية والساحلية نهباً للعصابات المنظمة. هذه الفجوة الأمنية لا تخدم مهربي البشر فحسب، بل تمتد لتشمل جماعات الجريمة المنظمة التي تتخذ من ليبيا مخزنًا لوجستيًا للسلاح والممنوعات، و إن “حروب الشوارع” التي تبدو في ظاهرها صراعات مناطقية صغيرة، هي في الحقيقة المحرك الأساسي لأزمة الهجرة التي تؤرق القارة الأوروبية؛ فالفوضى في الزاوية تعني تعطل الدوريات الساحلية، واختراق المنظومات الرادارية، وسهولة بناء أرصفة بحرية غير قانونية تستخدم في عمليات التهريب الواسعة، مما يجعل من استقرار الغرب الليبي ضرورة أمنية تتجاوز الحدود المحلية لتصبح قضية أمن قومي إقليمي ودولي.

سكان الزاوية والمهاجرون بين مطرقة الرصاص وسندان الابتزاز

لا تتوقف مأساة اشتباكات الزاوية عند حدود الأرقام العسكرية، بل تمتد لتشمل مأساة إنسانية مزدوجة يتقاسمها السكان المحليون والمهاجرون العالقون في جحيم الفوضى. المواطن الليبي في الزاوية بات يعيش في حالة من الرعب الدائم جراء الرصاص العشوائي والقذائف التي لا تفرق بين هدف عسكري ومنزل مدني، فضلاً عن تعطل الخدمات الأساسية وانهيار البنية التحتية التعليمية والصحية عند كل صدام مسلح.

وفي الجانب الآخر، يجد المهاجرون الأفارقة والآسيويون أنفسهم وقودًا لهذه الحروب، حيث يتم تجنيد بعضهم قسريًا للقيام بأعمال لوجستية للمليشيات، أو يتم استخدامهم كدروع بشرية في مناطق الاشتباك.

إن استمرار هذا الوضع يكرس حالة من “الإفلات من العقاب”، حيث يغيب القضاء وتتعطل مراكز الشرطة، مما يجعل من جريمة الاتجار بالبشر تجارة “منخفضة المخاطر وعالية الربح”، وهو ما يفسر إصرار بعض الأطراف المسلحة على إبقاء حالة التوتر الأمني قائمة لإجهاض أي محاولة لبناء مؤسسات أمنية نظامية قد تنهي نفوذهم المالي المستمد من أنقاض الدولة ومآسي المستضعفين.