انتقلت بوصلة التعامل مع المجلس الانتقالي الجنوبي باليمن من مربع الشراكة الندية التي فرضتها توازنات القوة واتفاق الرياض، إلى مربع جديد يتسم بالتضييق الممنهج على مؤسساته وكوادره.
وقالت مصادر: إن هذا التحول لا يمكن قراءته كإجراءات إدارية معزولة، بل هو نتاج صراع إرادات طويل حول شكل الدولة ومستقبل الجنوب، حيث تسعى أطراف في هرم السلطة إلى تقليص نفوذ الانتقالي الذي تمدد بشكل كبير في مؤسسات الدولة السيادية والأمنية خلال السنوات الماضية.
ما هي دلالات الاستهداف المؤسسي؟
وأوضحت المصادر ،أن استهداف مؤسسات الانتقالي الجنوبي يحمل دلالات خطيرة تتجاوز العمل الروتيني، فهو يتركز بشكل أساسي في القطاعات التي تمنح المجلس شرعيته الشعبية، مثل قطاع الخدمات والأمن والإدارة المحلية في العاصمة عدن والمحافظات المجاورة.
فعندما يتم التضييق على الهيئات الخدمية المرتبطة بالانتقالي، فإن الهدف المبطن هو إظهار المجلس بمظهر العاجز عن إدارة شؤون المواطنين، وبالتالي تآكل حاضنته الشعبية التي ترى فيه المنقذ والممثل لتطلعاتها في استعادة الدولة.
أبعاد الصراع المالي والإداري
ويبرز البعد المالي والإداري كأحد أخطر أوجه التضييق التي يتعرض لها المجلس الانتقالي الجنوبي في المرحلة الراهنة، حيث يتم استخدام “الشرعية المالية” كأداة للضغط السياسي عبر تجميد مخصصات المؤسسات التي تدار من قبل كوادر المجلس، أو عرقلة القرارات الإدارية التي تهدف إلى تمكين الكفاءات الجنوبية.
هذا النوع من “الحروب الباردة” داخل أروقة الحكومة يهدف إلى خلق حالة من الشلل داخل المؤسسات الجنوبية، مما يدفع بالشارع إلى حافة الانفجار نتيجة تردي الخدمات وتأخر الرواتب، ليتم تحميل الانتقالي المسؤولية بصفته الطرف المسيطر ميدانياً.
وأشارت المصادر، أن تجفيف منابع التمويل وإعاقة العمل الإداري للمؤسسات التابعة للمجلس ليس مجرد نزاع على الصلاحيات، بل هو استراتيجية تهدف إلى إخضاع القرار السياسي للانتقالي وجره إلى تقديم تنازلات جوهرية في ملفات الحل النهائي، خاصة فيما يتعلق بوضع الجنوب في أي تسوية قادمة مع الحوثيين، وهو ما يرفضه الانتقالي جملة وتفصيلاً باعتباره مساساً بثوابت القضية الجنوبية.
السيناريوهات المتوقعة ومستقبل الشراكة في ظل غياب الثقة
إن استمرار سياسة التضييق لن يؤدي إلى إضعاف الانتقالي فحسب، بل سيؤدي بالضرورة إلى زعزعة استقرار المناطق المحررة وفتح ثغرات أمنية واسعة قد تستغلها القوى المتربصة بالجنوب واليمن على حد سواء.
وإن الحل لا يكمن في محاولات الإقصاء أو الالتفاف على الاتفاقات الموقعة، بل في بناء نموذج شراكة حقيقي يحترم تطلعات الأطراف ويؤمن بأن القوة المؤسسية للانتقالي هي جزء من قوة الجبهة المناهضة للمشروع الحوثي.
واختتمت المصادر، أن على كافة الأطراف إدراك أن اللعب بملف المؤسسات هو لعب بالنار، وأن استقرار عدن والجنوب هو حجر الزاوية لأي استقرار قادم في المنطقة، وأي محاولة لتجاوز هذه الحقيقة قد تقود الجميع إلى انفجار لن يستطيع أحد احتواء تداعياته الكارثية.

