ذات صلة

جمع

صراع النفوذ.. هل اقتربت لحظة كسر العظم في السياسة العراقية؟

يدخل العراق في مطلع عام 2026 نفقًا سياسيًا شديد التعقيد، حيث تتشابك خيوط الداخل مع إرادات الخارج في مشهد وصفه الكثير من المراقبين بأنه “لحظة كسر العظم” بين القوى السياسية التقليدية والضغوط الدولية المتزايدة.

وفي قلب هذا الصراع، يبرز اسم نوري المالكي، زعيم ائتلاف دولة القانون، كحلقة وصل وتوتر في آن واحد، حيث تسعى قوى الإطار التنسيقي لتعزيز نفوذها وتثبيت أركان الحكم بعيدًا عن الإملاءات الخارجية، في حين تبرز الولايات المتحدة الأمريكية كلاعب معترض يضع “خطوطاً حمراء” أمام عودة الشخصيات التي تصفها بالجدلية إلى هرم السلطة.

وقالت مصادر: إن هذا الاستقطاب الحاد لا يمثل مجرد خلاف على أسماء أو مناصب، بل هو صراع وجودي حول هوية الدولة العراقية المستقبلية وموقعها في خارطة التوازنات الإقليمية، مما يضع صانع القرار في بغداد أمام خيارات أحلاها مر إما المضي في تحدي الإرادة الدولية والمخاطرة بعزلة اقتصادية وسياسية، أو الرضوخ لضغوط واشنطن والبحث عن بدائل توافقية قد تضعف تماسك الجبهة الداخلية للقوى الحاكمة.

الفيتو الأمريكي وتحولات العلاقة مع نوري المالكي

لطالما اتسمت العلاقة بين نوري المالكي والإدارات الأمريكية المتعاقبة بالتذبذب والتوتر، إلا أنها في عام 2026 وصلت إلى ذروة الانسداد السياسي، حيث ترى واشنطن أن عودة المالكي أو أي شخصية تتبنى نهجًا مشابهًا قد تعيد العراق إلى مربع الاستقطاب الطائفي وتعمق النفوذ الإقليمي المناوئ للمصالح الأمريكية.

هذا الاعتراض الأمريكي لا يتم التعبير عنه فقط عبر التصريحات الدبلوماسية، بل يمتد ليشمل ضغوطًا مالية واقتصادية عبر قنوات البنك الفيدرالي والقيود على حركة الأموال، مما يجعل من تجاوز هذا “الفيتو” أمرًا في غاية الصعوبة للدولة العراقية التي ما تزال تعتمد بشكل حيوي على النظام المالي العالمي.

وفي المقابل، يرى أنصار المالكي أن هذا التدخل يمثل انتهاكًا صارخًا للسيادة الوطنية، وأن اختيار القادة يجب أن يكون شأنًا عراقيًا خالصًا يحدده صندوق الاقتراع والتحالفات البرلمانية، وهو ما يضع البلاد على حافة صدام سياسي قد يغير قواعد اللعبة المعمول بها منذ عام 2003.

تماسك الإطار التنسيقي والرهان على “فرض الأمر الواقع”

من جهة أخرى، يبدو أن قوى الإطار التنسيقي، التي تشكل العمود الفقري للحكومة الحالية، تحاول المناورة عبر سياسة “فرض الأمر الواقع”، مراهنة على حاجت واشنطن لاستقرار العراق كمنطلق للأمن الإقليمي.

وتجري داخل الغرف المغلقة نقاشات مستفيضة حول مدى قدرة العراق على تحمل تبعات تجاوز الاعتراض الأمريكي، حيث يرى فريق داخل الإطار أن القوة البرلمانية والتحالفات الإقليمية يمكن أن تشكل غطاءً كافيًا لحماية أي خيار سياسي وطني ومع ذلك، يدرك المالكي وفريقه أن الوصول إلى رئاسة الوزراء أو حتى التأثير القوي في صناعة القرار يتطلب حدًا أدنى من القبول الدولي، ولذلك يسعى ائتلاف دولة القانون إلى تقديم رسائل طمأنة للداخل والخارج حول طبيعة المرحلة القادمة، محاولاً الفصل بين الإرث السياسي السابق ومتطلبات إدارة الدولة في ظل الأزمات الراهنة، وهي محاولة تصطدم حتى الآن بجدار صلد من الرفض الأمريكي الذي يرى في استبعاد المالكي ضرورة لضمان استمرار الدعم الدولي لبغداد.

التداعيات الاقتصادية والأمنية لصراع “كسر العظم”

لا ينفصل الصراع السياسي حول الأسماء والمناصب عن الواقع الأمني والاقتصادي المتردي الذي يخشى الكثيرون انفجاره في حال تعثر التوافق الدولي والمحلي. فالعراق اليوم يواجه تحديات جمة تتعلق بأسعار النفط، والديون الخارجية، ومتطلبات إعادة الإعمار، وهي ملفات مرتبطة بشكل وثيق بمدى رضا المجتمع الدولي عن الحكومة القائمة.

سيناريوهات العبور من “عنق الزجاجة” السياسي

يظل المشهد السياسي العراقي في مطلع عام 2026 مفتوحًا على كافة الاحتمالات، فإما أن تنجح بغداد في صياغة تسوية سياسية ذكية تحفظ ماء وجه كافة الأطراف وتسمح بمرور حكومة تحظى بقبول نسبي، أو أن تذهب البلاد نحو تصعيد غير مسبوق في صراع “كسر العظم” الذي قد يطيح بالتوافقات الهشة.