دخلت الحرب في أوكرانيا عامها الرابع مخلفة وراءها حصيلة بشرية مرعبة تجاوزت مليوني ضحية من العسكريين بين قتيل وجريح من الجانبين الروسي والأوكراني، وهو الرقم الذي يضع العالم أمام تساؤل أخلاقي وتقني محير، وهو كيف فشلت التكنولوجيا العسكرية الحديثة في تقليل أعداد الضحايا؟
لقد تحولت الجبهات إلى مزيج هجين يجمع بين خنادق الحرب العالمية الأولى وتقنيات القرن الحادي والعشرين، حيث أدت دقة الأسلحة الحديثة إلى جعل الميدان مكشوفًا تمامًا، مما رفع من معدلات القتل بدلاً من خفضها، وحول كل تحرك عسكري إلى مشروع انتحاري تحت مراقبة الأقمار الصناعية وكاميرات الدرونز التي لا تنام، لتثبت هذه الحرب أن التكنولوجيا عندما تلتقي بالإصرار السياسي تتحول إلى أداة إبادة جماعية أكثر كفاءة.
مفارقة الدرونز والذكاء الاصطناعي.. دقة أعلى تعني موتًا أسرع
لقد كان الرهان التكنولوجي يعول على أن المسيرات ستقوم بأدوار الجندي المشاة، لكن الواقع الميداني في أوكرانيا عام 2026 أثبت أن التكنولوجيا زادت من “فتك” المعارك؛ فالدقة المتناهية التي توفرها أنظمة الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف جعلت من المستحيل على أي جندي الاختباء أو المناورة.
في السابق، كانت نسبة الخطأ في المدفعية تمنح الجنود فرصة للنجاة، أما الآن، فإن القذائف الموجهة بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS) والدرونز الانتحارية التي تلاحق الأفراد داخل خنادقهم، جعلت نسبة النجاة في خطوط التماس تقترب من الصفر.
وهذا “الانكشاف التكنولوجي” هو السبب الرئيسي وراء وصول أرقام الضحايا إلى مليوني عسكري، حيث تحول الميدان إلى ساحة مفتوحة للاصطياد الرقمي، فالتكنولوجيا لم تحل محل البشر، بل جعلت استهدافهم أسهل وأكثر دقة؛ مما أدى إلى تحول الحرب من مواجهة بين جيوش إلى “مقصلة تكنولوجية” تلتهم الأرواح بسرعة فائقة لم تعهدها الجيوش الحديثة من قبل.
العودة إلى حرب الخنادق.. عندما تهزم الأرض تقنيات القرن الحادي والعشرين
من أغرب ملامح الصراع في أوكرانيا هو العودة الكثيفة لأساليب القتال القديمة مثل الخنادق والتحصينات الأرضية العميقة، وذلك كاستجابة دفاعية ضد التفوق الجوي والتقني.
ومع ذلك، فإن هذه الخنادق تحولت إلى مصائد للموت بسبب استخدام القنابل الانزلاقية والذخائر العنقودية التي تطورت تقنياتها لتخترق التحصينات.
وقالت مصادر: إن فشل التكنولوجيا في تقليل الضحايا يعود أيضًا إلى أن الحرب تحولت إلى “حرب استنزاف” تعتمد على الكثافة البشرية لسد الثغرات التي تخلفها الأسلحة الذكية.
فرغم وجود الدبابات المسيرة والروبوتات القتالية، ما يزال “الجندي المشاة” هو الوحيد القادر على مسك الأرض، مما يدفع القيادات العسكرية إلى زج أعداد هائلة من الأفراد في أتون معارك برية طاحنة.
هذا التزاوج القسري بين أسلحة المستقبل وتكتيكات الماضي أوجد بيئة قتالية فريدة تتسم بمعدلات استهلاك بشري غير مسبوقة، حيث يتم استخدام التكنولوجيا لتمهيد الطريق لموجات بشرية، مما يرفع الفاتورة البشرية إلى أرقام مليونية مرعبة.
الدروس المستفادة.. هل انتهت أسطورة “الحرب النظيفة”؟
لقد أسقطت الحرب في أوكرانيا أسطورة “الحرب النظيفة” أو الحروب ذات الخسائر المحدودة التي روجت لها شركات السلاح لعقود في عام 2026، يدرك العالم أن التكنولوجيا ليست وسيلة لتقليل الضحايا، بل هي وسيلة لزيادة كفاءة القتل وتوسيع رقعة الدمار.
واختتمت المصادر، أن فشل التكنولوجيا في حماية الأرواح يعود إلى طبيعة الصراع “الوجودي” الذي لا يتوقف عند حدود تكنولوجية، بل يستمر حتى استنفاد آخر جندي و إن مليوني ضحية هم الشاهد الصامت على أن الابتكار البشري في وسائل الدمار دائماً ما يسبق الابتكار في وسائل الحماية.
وستبقى دروس هذه الحرب تدرس لقرون، ليس كنجاح تكنولوجي، بل كفشل إنساني ذريع، حيث وقف العلم والذكاء الاصطناعي متفرجين أمام تلال من الجثث، عاجزين عن تقديم حل يوقف نزيف الدم، ليظل “جدار الموت” هو الحقيقة الوحيدة الصامدة وسط ضجيج الطائرات المسيرة وهتافات القادة العسكريين.

