ذات صلة

جمع

مقامرة الخرطوم السياسية.. كيف يكتب تعنت البرهان نهاية المبادرات الإقليمية؟

يدخل السودان في عام 2026 نفقًا مظلمًا من الاستعصاء السياسي والعسكري الذي لم يشهد له مثيلاً في تاريخه الحديث، حيث بات المشهد العام محكومًا بمعادلة “مقامرة الخرطوم” التي يقودها الفريق أول عبد الفتاح البرهان في مواجهة ضغوط دولية وإقليمية متصاعدة.

وقالت مصادر: إن هذه المقامرة السياسية لا تقتصر فقط على التمسك بالسلطة، بل تمتد لتشمل إعادة صياغة التحالفات الداخلية والخارجية بما يضمن بقاء المؤسسة العسكرية كلاعب وحيد ومسيطر على مقاليد الأمور، وهو الأمر الذي تراه المصادر “تعنتًا” يهدد بانهيار ما تبقى من هيكل الدولة السودانية.

ومع استمرار العمليات العسكرية واتساع رقعة الصراع، تبدو المبادرات الإقليمية التي تقودها أطراف مثل الاتحاد الإفريقي ومنظمة الإيغاد، وحتى الوساطات العربية، وكأنها تصطدم بجدار صلد من الرفض العسكري لأي تسوية تقتضي تسليم السلطة للمدنيين أو الدخول في مفاوضات جادة تنهي حالة الاقتتال، مما يضع مستقبل البلاد على حافة الهاوية.

فلسفة التعنت العسكري وتآكل فرص الحل السلمي

يرى الفريق البرهان وجهازه الاستشاري، أن أي تنازل في الوقت الراهن يمثل انتحارًا سياسيًا وعسكريًا، هذا “التعنت” الذي تصفه القوى المدنية والمجتمع الدولي بأنه العائق الأكبر، ينطلق من رؤية عسكرية تعتبر أن الجيش هو الضامن الوحيد لوحدة السودان، وأن أي حل دولي يهدف إلى المحاصصة السياسية سيؤدي إلى تفتيت البلاد ومع ذلك، فإن هذا الإصرار على الحسم العسكري الذي يبدو بعيد المنال، أدى إلى تآكل الثقة في كافة المسارات السلمية، حيث أصبحت جولات التفاوض مجرد “استراحة محارب” يتم استغلالها لإعادة ترتيب الصفوف وتشوين السلاح، بدلاً من كونها منصة حقيقية لإنتاج سلام دائم.

وأكدت المصادر، أن سياسة “النفس الطويل” التي يتبعها البرهان تهدف بالأساس إلى استنزاف القوى المعارضة والمبادرات الخارجية حتى تصل إلى نقطة اليأس، ومن ثم القبول بالأمر الواقع الذي يفرضه الجيش على الأرض.

التبعات الاستراتيجية للعزلة الدولية وتحديات الاقتصاد المنهار

لا يمكن فصل التعنت السياسي عن التدهور الاقتصادي المريع الذي يعيشه السودان في مطلع عام 2026، حيث أدت العزلة الدولية المفروضة نتيجة غياب الحل السياسي إلى توقف كافة المساعدات التنموية والقروض الدولية.

إن مقامرة الخرطوم السياسية وضعت البلاد أمام واقع اقتصادي مرير، حيث يعجز الجيش عن تمويل العمليات العسكرية وإدارة شؤون الدولة في آن واحد دون غطاء دولي.

ومع ذلك، يبدو أن القيادة العسكرية تراهن على بناء تحالفات بديلة مع قوى دولية صاعدة قد لا تشترط التحول الديمقراطي مقابل الدعم، لكن هذا الرهان يظل محفوفًا بالمخاطر في ظل العقوبات الذكية التي بدأت واشنطن وبروكسل في تشديدها على قادة الجيش والمؤسسات الاقتصادية التابعة له.

هذه العزلة لا تضعف النظام فحسب، بل تمزق النسيج الاجتماعي وتدفع بملايين السودانيين نحو النزوح واللجوء، مما يحول الأزمة من صراع محلي على السلطة إلى كارثة إنسانية عالمية تهدد أمن الإقليم بأكمله.

واختتمت المصادر، أن مقامرة الخرطوم السياسية وتعنت البرهان قد تجاوزا مرحلة المناورة التكتيكية ليصبحا استراتيجية ثابتة تهدد بإنهاء فاعلية كافة المبادرات الإقليمية والدولية.

وقالت: إن السودان في عام 2026 يقف أمام اختبار وجودي؛ فإما القبول بتسوية تاريخية مؤلمة تحفظ وحدة البلاد، أو الاستمرار في نهج المواجهة الذي لن يؤدي إلا إلى مزيد من الدماء والتمزق.

وأشارت أن المبادرات الدولية ليست سحرًا، بل هي أدوات تحتاج إلى إرادة محلية للنجاح، وهذه الإرادة ما تزال غائبة وسط ضجيج المدافع وطموحات الحكم. سيسجل التاريخ أن اللحظة التي قرر فيها البرهان وضع طموحه الشخصي فوق مصلحة الوطن.