يقف لبنان أمام واحدة من أخطر الأزمات الوجودية التي تهدد أمنه القومي واستقراره الحدودي منذ عقود، حيث بات ملف “قوات اليونيفيل” “القوات المؤقتة للأمم المتحدة في لبنان”، تحت مجهر التغيير الجذري، وسط تزايد المؤشرات التي توحي باحتمالية رفع الاتحاد الأوروبي لغطاء “الحماية الدولية” الذي وفرته هذه القوات على مدار سنوات طويلة.
إن هذا التوجه الأوروبي الذي بدأ يتبلور في أروقة بروكسل لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج مباشر لتعطل آليات القرار 1701 وتحول الجنوب اللبناني إلى ساحة مفتوحة لتضارب الأجندات الإقليمية، مما جعل مهمة “حفظ السلام” تواجه طريقًا مسدودًا.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يعيش لبنان الرسمي حالة من القلق العميق حيال “اليوم التالي” لانسحاب أو تقليص صلاحيات القبعات الزرق، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريوهات أمنية وعسكرية قد تعيد رسم خارطة النفوذ في المنطقة بأكملها.
القلق اللبناني من “الفراغ القاتل”
يسود دوائر القرار في بيروت قلق غير مسبوق من تحول الفراغ الذي قد تتركه اليونيفيل إلى “شرارة” لمواجهة شاملة لا يمكن احتواؤها، فالجانب اللبناني يرى في وجود هذه القوات “مظلة أمان” تمنع الانزلاق نحو حرب مدمرة.
رغم كل الانتقادات التي وجهت لفعاليتها في السابق، إن المخاوف اللبنانية لا تقتصر على الجانب الأمني فحسب، بل تمتد لتشمل البعد السيادي؛ حيث يخشى لبنان من أن يؤدي غياب الرقابة الدولية إلى تحويل الحدود الجنوبية إلى “صندوق بريد” مشتعل للرسائل الإقليمية، مع غياب أي آلية لتوثيق الانتهاكات أو كبح جماح التصعيد.
هذا القلق يتضاعف مع إدراك الدولة اللبنانية لعدم قدرة الجيش اللبناني، بإمكانياته الحالية، على ملء الفجوة الكبيرة التي ستخلفها آلاف الجنود الدوليين، مما يشرع الأبواب أمام تدخلات خارجية مباشرة قد تطيح بما تبقى من استقرار هش في البلاد.
البحث الأوروبي عن “بدائل خشنة”
على الجانب الآخر، لم يعد البحث الأوروبي مجرد ترف دبلوماسي، بل تحول إلى ضرورة أمنية للقارة العجوز التي تخشى من تداعيات انهيار الجبهة اللبنانية على أمنها القومي.
وتفيد التقارير المسربة من بروكسل بأن هناك توجهًا تقوده فرنسا وإيطاليا “أكبر المساهمين في اليونيفيل”، لإعادة صياغة مهمة القوات الدولية لتصبح أكثر “خشونة” أو استبدالها ببعثة تقنية وعسكرية مشتركة تمتلك قواعد اشتباك مختلفة، إن الخيار الأوروبي المطروح الآن يتجاوز مفهوم “المراقبة” إلى مفهوم “التحقق والفرض”.
حيث يتم البحث في إمكانية نشر تكنولوجيا مراقبة متطورة “رادارات وطائرات مسيرة” مدعومة بقوات تدخل سريع، لضمان خلو منطقة جنوب الليطاني من السلاح غير الشرعي، هذا البحث الأوروبي يعكس إحباطًا من الوضع الراهن ورغبة في عدم البقاء كـ “رهائن” لصراع لا تملك القوات الدولية فيه القدرة على الحسم أو المنع.
تداعيات رفع الغطاء الدولي
إن رفع غطاء الحماية الدولية عن لبنان يعني عمليًا سقوط القرار 1701 بالضربة القاضية، وهو القرار الذي شكل الركيزة الأساسية للاستقرار منذ عام 2006.
وفي حال قرر الاتحاد الأوروبي سحب قواته أو تقليص تمويله، فإن ذلك سيعطي الضوء الأخضر لجميع الأطراف المتصارعة لتجاوز الخطوط الحمراء دون أي رادع دبلوماسي.
إن السيناريوهات المتوقعة في حال حدوث هذا الفراغ تشمل احتمالية قيام إسرائيل بفرض “منطقة عازلة” بقوتها العسكرية الخاصة، أو تحول الجنوب إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين الفصائل المسلحة والجيش الإسرائيلي بعيدًا عن أي رقابة أممية.
هذا التحلل من الالتزامات الدولية سيجعل من المستحيل العودة إلى “ستاتيكو” ما قبل 2026، وسيضع لبنان أمام واقع جديد يتسم بالسيولة الأمنية والانهيار المؤسسي الشامل في المناطق الحدودية.
السيناريوهات المستقبلية
مع تزايد الضغوط الدولية، يبرز سيناريو “الوصاية الأمنية” كحل وسط قد تطرحه أوروبا لتجنب الفوضى الشاملة، هذا السيناريو يفترض إنشاء ممر أمني تحت إدارة “ائتلاف دولي مصغر” بدلاً من مظلة الأمم المتحدة التقليدية التي قد تواجه “فيتو” في مجلس الأمن.
إن هذا التوجه قد يشمل تدريبًا مكثفًا وتسليحًا نوعيًا لوحدات خاصة من الجيش اللبناني لتسلم مهام قتالية في الجنوب، بدعم لوجستي واستخباراتي أوروبي مباشر، ومع ذلك، فإن نجاح هذا السيناريو يعتمد على مدى قبول الأطراف المحلية اللبنانية لهذا النوع من التدخل، والذي قد يُفسر على أنه انتقاص من السيادة الوطنية، مما يضع لبنان بين فكي كماشة: القبول بالبدائل الأوروبية “المشروطة” أو مواجهة خطر الاجتياح والفوضى في حال الانسحاب الكامل للمجتمع الدولي.
لبنان أمام مفترق طرق وجودي
إن ملف “ما بعد اليونيفيل” ليس مجرد مسألة لوجستية تتعلق بانسحاب جنود، بل هو قرار سياسي استراتيجي سيمهد الطريق للمرحلة القادمة في الشرق الأوسط، لبنان اليوم مطالب أكثر من أي وقت مضى بتقديم رؤية وطنية موحدة لإدارة حدوده وتفعيل دوره السيادي، قبل أن تفرض عليه البدائل الأوروبية أو الدولية التي قد لا تراعي خصوصيته الوطنية، إن رفع غطاء الحماية الدولية هو بمثابة “انتحار جماعي” لفرص السلام، لكن بقاء اليونيفيل بصورتها الحالية الهشة لم يعد خيارًا مقبولاً لدى بروكسل.
وبين هذين الواقعين، يظل لبنان ينتظر “المجهر الأوروبي” وما سيسفر عنه من قرارات قد تغير وجه الجنوب، وربما وجه الدولة اللبنانية إلى الأبد في عام 2026 وما يليه.

