تواجه تونس واحدًا من أخطر التحديات الوجودية، حيث لم يعد البحر الأبيض المتوسط ذلك الجار الودود ومصدر الرزق السياحي الأول، بل استحال إلى خصم جيولوجي يلتهم اليابسة بمعدلات مخيفة.
تشير الإحصائيات الرسمية والتقارير البيئية الأخيرة إلى أن أكثر من 43% من الشواطئ التونسية تعاني من التآكل والانجراف الحاد، وهو رقم يضع البلاد أمام منعطف خطير يهدد بانهيار “البنيان” التونسي، سواء على مستوى البنية التحتية العقارية أو على مستوى التوازن الجغرافي والديموغرافي.
إن هذه الأزمة لا تتعلق فقط بفقدان مساحات من الرمل الذهبي، بل هي أزمة سيادية تتعلق بتقلص مساحة الدولة وتآكل أصولها الاقتصادية، وسط انتقادات حادة لسياسات “الترميم الهشة” التي اعتمدت لسنوات على حلول ترقيعية لم تزد الموقف إلا تعقيدًا.
جغرافيا التآكل
لم تعد أزمة الانجراف محصورة في نقاط بعينها، بل تحولت إلى نزيف جغرافي يمتد على طول الساحل التونسي البالغ 1300 كيلومتر، حيث تبرز مناطق مثل “رفراف” و”قلعة الأندلس” والحمامات وجزيرة جربة كأكثر المناطق تضررًا.
في هذه الجهات، تراجعت خطوط الشاطئ بمعدلات تصل إلى مترين سنويًا في بعض النقاط؛ مما أدى إلى غرق منشآت سياحية ومنازل كانت تفصلها عن البحر مساحات شاسعة.
إن هذا الانجراف ليس مجرد ظاهرة طبيعية ناتجة عن التغير المناخي وارتفاع منسوب مياه البحر، بل هو نتاج تداخل معقد بين العوامل الطبيعية والتدخل البشري الجائر، بما في ذلك إقامة السدود التي منعت وصول الرواسب الرملية إلى الشواطئ، والبناء الفوضوي على الكثبان الرملية التي كانت تشكل خط الدفاع الأول والمنظم الطبيعي لعملية التوازن بين اليابسة والماء.
سياسات “الترميم الهشة
تتمحور الانتقادات الموجهة لوكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي حول الاعتماد التاريخي على “الهندسة الصلبة” أو الحواجز الصخرية والجدران الإسمنتية.
ويرى خبراء البيئة في عام 2026، أن هذه السياسات كانت “هشة” في جوهرها، لأنها قامت بنقل المشكلة من مكان إلى آخر بدلاً من حلها؛ فالأمواج التي تصطدم بجدار صخري في منطقة معينة تزداد قوتها التدميرية في المناطق المجاورة غير المحمية، مما يخلق حلقة مفرغة من التآكل المتسارع.
إن هذه الحلول التي كلفت ميزانية الدولة ملايين الدينارات لم تنجح في استعادة الشواطئ، بل حولت السواحل التونسية إلى كتل من الصخر المشوه، وفقدت البلاد ميزتها التنافسية كوجهة سياحية تعتمد على الشواطئ الرملية الطبيعية، وهو ما يطرح تساؤلاً ملحاً حول جدوى الاستمرار في هذا النهج “الترميمي” العقيم.
التداعيات الاقتصادية
يمثل الشريط الساحلي التونسي القلب النابض للاقتصاد الوطني، حيث يتركز فيه أكثر من 90% من النشاط السياحي وأغلب الاستثمارات العقارية الكبرى. إن تآكل 43% من هذه المساحة يعني مباشرة تهديد آلاف الوظائف وانهيار القيمة السوقية للمنشآت القائمة في مدن مثل سوسة والمنستير، بدأت الفنادق التاريخية تفقد حدائقها ومسابحها لصالح البحر؛ مما اضطر أصحابها إلى استثمارات إضافية ضخمة لعمليات حماية خاصة لا تضمن الاستدامة علاوة على ذلك، يهدد الانجراف البنية التحتية الحيوية من طرقات ساحلية ومحطات تطهير وموانئ صيد؛ مما يعني أن تكلفة “اللا فعل” أو الاستمرار في السياسات الهشة ستكون أضعاف تكلفة التحول نحو حلول مستدامة تعتمد على الهندسة الناعمة والتغذية الاصطناعية بالرمال.
معركة الرمال هي معركة البقاء الوطني
إن أزمة تآكل الشواطئ في تونس ليست مجرد ملف بيئي ثانوي، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الدولة على الصمود في وجه التغيرات المناخية المتطرفة و إن سياسات “الترميم الهشة” قد أدت غرضها في تأجيل الكارثة لكنها لم تمنعها، واليوم يطالب البحر بحقه في اليابسة بقوة لم يشهدها التاريخ الحديث، وإن انهيار “البنيان” التونسي أمام زحف الأمواج يمكن تفاديه فقط إذا ما توفرت الإرادة السياسية لتبني استراتيجية وطنية شجاعة تعتمد على العلم والابتكار، وتضع حماية الشريط الساحلي كأولوية قصوى للأمن القومي، فبدون شواطئها، ستفقد تونس هويتها التاريخية وجزءًا أصيلاً من ثروتها الوطنية، لتتحول مدنها الساحلية إلى شواهد حزينة على صراع خاسر مع الطبيعة لم نُحسن إدارته.

