دخل ملف مستقبل قطاع غزة مرحلة حاسمة من الترتيبات الدولية بقيادة الولايات المتحدة، عقب اللقاءات المكثفة التي عقدها المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في القدس المحتلة، لبحث تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس دونالد ترامب للسلام.
وتتمحور هذه المرحلة حول إنشاء “إدارة مدنية بديلة” تتولى تسيير الشؤون اليومية في القطاع بعيدًا عن سيطرة حركة حماس، مع التركيز على مشروع “غزة الجديدة” الذي يتضمن إعادة إعمار شاملة تشمل أبراجًا سكنية ومنتجعات سياحية ومراكز بيانات.
وتأتي هذه التحركات وسط تساؤلات حادة حول قدرة الأطراف الدولية على فرض إدارة تكنوقراطية محلية تحظى بالقبول الشعبي من جهة، وتلبي المتطلبات الأمنية الإسرائيلية من جهة أخرى، لاسيما وأن نتنياهو ما يزال يضع شروطًا صارمة تتعلق بالسيطرة على المعابر والحدود، مما يجعل من ملف “الإدارة المدنية” ساحة لمواجهة كبرى بين الرؤية الأمريكية “التنموية” والقبضة الإسرائيلية “الأمنية”.
خطة ويتكوف والمرحلة الثانية
تستند التحركات الأمريكية الأخيرة، التي يقودها ويتكوف بمشاركة جاريد كوشنر، إلى “خطة الـ 20 نقطة” التي أُعلن عنها في منتدى دافوس 2026، والتي تهدف إلى تحويل وقف إطلاق النار الهش إلى سلام دائم عبر مسارات متوازية، وأبرز هذه المسارات هو تشكيل “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” (NCAG) بقيادة الدكتور علي شعث، وهو مسؤول سابق في السلطة الفلسطينية يحظى بتقدير دولي، لتولي مهام الإشراف على الخدمات العامة وإعادة بناء المؤسسات المدنية.
وبحسب المعلومات المسربة من لقاء نتنياهو، فإن واشنطن حددت مهلة “100 يوم” لبدء عملية نزع سلاح الفصائل في غزة وتدمير شبكة الأنفاق، مقابل انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من المناطق المأهولة وتسليمها لـ “قوة استقرار دولية” تضم دولاً عربية وإقليمية.
إن هذا الرهان الأمريكي يعتمد على قدرة اللجنة التكنوقراطية على إثبات جدارتها في توفير الغذاء والإيواء لأكثر من مليوني نازح، وهو ما يراه ويتكوف “مفتاح الشرعية” البديلة في القطاع.
رغم الأجواء التي وصفها ويتكوف بأنها “بناءة وإيجابية”، إلا أن مصادر مطلعة كشفت عن وجود نقاط خلافية عميقة مع نتنياهو، تتعلق أساسًا بإدارة معبر رفح ومحور فيلادلفيا، حيث يصر نتنياهو على وضع قيود مشددة على حركة الأفراد والبضائع لضمان منع تهريب السلاح، وهو ما قد يعيق خطة إعادة الإعمار الطموحة التي تقدر كلفة مرحلتها الأولى بنحو 70 مليار دولار.
وتتضمن الخطة الأمريكية إنشاء “مجلس غزة التنفيذي” الذي يضم في عضويته ممثلين عن مصر وقطر والإمارات وتركيا وبريطانيا، للإشراف على تدفق الأموال والمساعدات.
إن الجانب الإسرائيلي يخشى من أن تتحول هذه اللجنة المدنية إلى واجهة مبطنة للسلطة الفلسطينية أو أن تفقد السيطرة على الفصائل المسلحة، مما يجعل نتنياهو يرفض منح “شيك على بياض” للولايات المتحدة في غزة، مفضلاً الحفاظ على حرية التحرك العسكري الإسرائيلي داخل القطاع عند الضرورة.
“غزة الجديدة” والرهان على الازدهار الاقتصادي مقابل الأمن
تطرح إدارة ترامب رؤية اقتصادية “مبهرة” لغزة تهدف إلى تحويلها إلى مركز تجاري وسياحي على البحر المتوسط، كجزء من استراتيجية نزع فتيل النزاع عبر “الرفاهية”، ويتضمن مشروع “غزة الجديدة” بناء مراكز بيانات عالمية ومنتجعات سياحية في مناطق مثل خان يونس ورفح، بمشاركة رجال أعمال دوليين وتحت إشراف “مجلس السلام” الذي يضم توني بلير وماركو روبيو.
ويرى ويتكوف، أن تحسين جودة الحياة هو الضمانة الوحيدة لمنع عودة الفصائل المسلحة للسيطرة، ومع ذلك، تواجه هذه الرؤية انتقادات محلية وحقوقية تعتبرها محاولة لـ “مقايضة الحقوق السياسية بالرفاه الاقتصادي”، لاسيما وأن الخطة تتحدث عن “محيط أمني” مؤقت واشتراطات قاسية لنيل السيادة.
إن نجاح هذا الملف يعتمد كليًا على قدرة المبعوث الأمريكي على إقناع الممولين الدوليين بجدية الضمانات الأمنية، وإقناع الفلسطينيين بأن هذه الإدارة المدنية هي جسر نحو الدولة المستقلة وليست أداة لإطالة أمد الاحتلال بوجوه تكنوقراطية.
الحسم يقترب وسط حقول الألغام السياسية
يبدو أن ملف “الإدارة المدنية” البديلة لقطاع غزة قد غادر أروقة التنظير ودخل حيز التنفيذ الميداني مع وصول وفد “ويتكوف وكوشنر” إلى تل أبيب، إن المواجهة الكبرى القادمة لن تكون عسكرية فقط، بل ستكون معركة “إدارة وشرعية” في قطاع مدمر يحتاج إلى معجزات لإعادة الحياة إليه.
وبينما تضغط واشنطن باتجاه “اللجنة الوطنية” والمشاريع الكبرى، يظل الموقف الإسرائيلي هو “بيضة القبان” التي قد تنجح الخطة أو تفشلها.
إن الأيام القادمة ستكشف ما إذا كانت غزة ستشهد ولادة إدارة جديدة تنهي 18 عامًا من حكم حماس وعامين من حرب الإبادة، أم أن الخلافات بين نتنياهو وإدارة ترامب ستؤدي إلى تعثر المرحلة الثانية، ليبقى القطاع رهينة لسيناريوهات الفوضى أو الحكم العسكري المباشر، ويبقى السؤال الأهم هل سيقبل الغزيون بإدارة تُصنع في “مجلس السلام” الأمريكي مقابل وعد بالرفاهية؟

