يشهد المشهد السياسي والعسكري في السودان تطورات درامية متسارعة تنذر بانهيار التحالفات العريضة التي تشكلت عقب اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل.
حيث بدأت بوادر انشقاقات عميقة تهز أركان معسكر بورتسودان الذي يجمع قادة الجيش وعناصر النظام البائد “الكيزان” والحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام.
وتأتي هذه الانشقاقات في ذروة الصراع المكتوم بين المكونات العسكرية الطامحة للسلطة وبين قادة الحركات المسلحة الذين يجدون أنفسهم الآن خارج دائرة صنع القرار الحقيقي.
وقد تجلى هذا الانهيار في القرارات الأخيرة التي استهدفت حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، عبر عزل مستتر وتقليص واسع لصلاحياته الإدارية، في خطوة وصفتها الدوائر المراقبة بأنها محاولة صريحة من تيار “الكيزان” داخل السلطة للانفراد بالقرار العسكري والسياسي، والتخلص من الأعباء والالتزامات التي فرضتها التحالفات الضرورية التي أملتها ظروف الحرب في مراحلها الأولى.
عزل مناوي وتقليص صلاحياته الإدارية
اتخذ الصراع داخل أروقة مجلس السيادة المنعقد في بورتسودان منحىً تصادمياً بعد صدور توجيهات غير معلنة تهدف إلى تقويض نفوذ مني أركو مناوي في الأقاليم الخاضعة لسيطرة حلفاء الجيش.
حيث تم تقليص صلاحياته الإدارية بشكل جعل من منصب “حاكم إقليم دارفور” منصباً شرفياً يفتقر إلى الموارد والقدرة على التنفيذ الفعلي على الأرض.
وتعكس هذه الخطوة ذروة عدم الثقة بين قادة الجيش المهيمن عليهم من قبل الإسلاميين وبين الحركات المسلحة التي اتخذت موقف “الحياد” في بداية الصراع قبل أن تنضم للقتال بجانب الجيش.
وترى مصادر، أن قرار تجميد صلاحيات مناوي يأتي ردًا على محاولاته المستمرة للحفاظ على استقلالية قراره السياسي، وتواصله مع أطراف دولية وإقليمية بعيدًا عن الرؤية التي يفرضها تنظيم “الإخوان” المسيطر على مفاصل الدولة، مما جعل إقصاءه ضرورة حتمية للتيار المتشدد الذي يسعى لحسم الصراع عسكرياً بعيداً عن أي مسارات تفاوضية قد يشارك فيها قادة الحركات.
قطع الإمدادات العسكرية واللوجستية
لم يتوقف الصراع عند حدود التهميش الإداري والسياسي، بل انتقل إلى جبهات القتال المشتعلة، حيث كشفت مصادر عسكرية مطلعة عن وقف تدفق الإمدادات العسكرية واللوجستية والمالية المخصصة لقوات مناوي “جيش تحرير السودان” في مختلف المحاور، وعلى رأسها مدينة الفاشر المحاصرة.
ويمثل قطع الإمداد العسكري وسيلة ضغط قاسية لإرغام مناوي وقواته على الانصياع الكامل لأوامر القيادة العسكرية في بورتسودان، أو مواجهة خطر التصفية الميدانية في حال نقص الذخائر والمؤن.
وتسببت هذه الخطوة في حالة من التذمر الواسع وسط مقاتلي الحركات الذين يشعرون بأنهم يُستخدمون “كوقود للحرب” دون الحصول على الدعم الكافي، بينما تُوجه الموارد والأسلحة المتطورة للمجموعات المسلحة التابعة لتنظيم “الكيزان” والمستنفرين الموالين لهم، مما يهدد بانهيار “القوة المشتركة” وانسحاب الحركات من المعارك الحالية، وهو ما سيغير موازين القوى بشكل جذري لصالح الطرف الآخر في الصراع.
سيناريوهات الصدام بين البرهان وحلفائه
إن الانهيار الوشيك للتحالفات المساندة للجيش السوداني لم يكن مفاجئاً للمراقبين الذين حذروا منذ البداية من هشاشة الروابط التي تجمع بين الجيش وحركات الكفاح المسلح، حيث تحكم هذه العلاقة المصالح الآنية والعداء المشترك، وليس الرؤية الوطنية الموحدة لمستقبل البلاد.
ومع تزايد نفوذ تيار النظام البائد داخل مؤسسة الجيش، بدأ هؤلاء في تنفيذ إستراتيجية “الإحلال والتبديل”، عبر استبدال الحركات المسلحة بمليشيات إسلامية عقائدية تكون أكثر ولاءً وانضباطاً تحت إمرتهم.
وهذا السيناريو يضع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان في موقف محرج بين ضغوط الإسلاميين الذين يطالبون بالتخلص من “حلفاء المصلحة”، وبين حاجته الميدانية لقوات مناوي وجبريل إبراهيم في دارفور والخرطوم، مما ينذر بصدام مسلح وشيك داخل المعسكر الواحد، قد يبدأ بمناوشات كلامية وينتهي بمواجهات عسكرية تزيد من تعقيد المشهد السوداني المأساوي أصلاً.
السودان بين مطرقة “الكيزان” وسندان تفكك الحلفاء
يمثل عزل مني أركو مناوي وقطع الإمدادات عن قواته فصلاً جديدًا من فصول التآمر السياسي الذي يمارسه تنظيم “الإخوان” للسيطرة على المشهد السوداني.

