ذات صلة

جمع

خلف الستار الحديدي.. كيف تُدار “حرب الظل” بين موسكو وكييف؟

بينما تنشغل عدسات الكاميرات برصد تحركات المدرعات في السهول...

طرابلس على طاولة قرطاج.. كيف تخطط تونس لجمع “رؤوس” السياسة الليبية؟

في وقت تمر فيه الأزمة الليبية بمرحلة من "الجمود...

ما وراء الرصاص.. كيف يدير “الإخوان” خيوط الأزمة السودانية من خلف الستار؟

برزت دراسات استراتيجية أمريكية حديثة لتعيد توجيه البوصلة نحو...

المعادلة المكسورة.. كيف بدأت بوصلة بيئة “حزب الله” تفقد اتجاه طهران؟

تشهد الساحة اللبنانية في مطلع عام 2026 تحولاً هو...

المعادلة المكسورة.. كيف بدأت بوصلة بيئة “حزب الله” تفقد اتجاه طهران؟

تشهد الساحة اللبنانية في مطلع عام 2026 تحولاً هو الأبرز والأكثر خطورة منذ عقود، حيث بدأت ملامح “ارتباك استراتيجي” تظهر بوضوح داخل البيئة الحاضنة لـ “حزب الله”، وهي البيئة التي طالما اعتُبرت الصخرة الصلبة التي تتكسر عليها كافة الضغوط الدولية والإقليمية.

وقالت مصادر: إن هذا الارتباك ليس مجرد تذمر عابر، بل هو نتاج تصدع فيما يمكن وصفه بـ “المعادلة المكسورة” التي ربطت مصير ضاحية بيروت الجنوبية وقرى الجنوب والبقاع بقرارات “مجمع تشخيص مصلحة النظام” في طهران.

ومع تزايد حدة المواجهات وتغير قواعد الاشتباك الإقليمية، بدأت الأسئلة المحرمة سابقًا تتردد بصوت مسموع في أزقة المقاهي وبين أوساط المثقفين والمقاتلين السابقين على حد سواء، حول جدوى الاستمرار في دفع أثمان باهظة من الدماء والبيوت والاقتصاد في سبيل أجندات ترى هذه البيئة اليوم أنها قد لا تضع “مصلحة لبنان أولاً” في حساباتها المعقدة.

صدمة “الصبر الاستراتيجي” وتآكل الثقة بالمظلة الإيرانية

بدأت شرارة الارتباك تشتعل عندما تحول “الصبر الاستراتيجي” الذي تنتهجه طهران إلى ما يشبه “الغياب الاستراتيجي” في نظر الكثيرين من جمهور المقاومة، خاصة مع تكرار الضربات النوعية التي استهدفت قيادات الصف الأول ومخازن السلاح الاستراتيجية دون رد إيراني موازٍ لحجم الخسائر اللبنانية.

إن الشعور بـ “اليتم السياسي” بدأ يتسلل إلى القواعد الشعبية التي كانت تعتقد أن “وحدة الساحات” تعني تدخلاً مباشرًا وحاسمًا لحمايتها من الانهيار الشامل، إلا أن الواقع الميداني في عام 2025 وبدايات 2026 أثبت أن طهران تجيد استخدام الأوراق الإقليمية لتحسين شروط تفاوضها مع الغرب، بينما يترك الحليف اللبناني وحيدًا لمواجهة آلة الحرب والدمار وإعادة الإعمار.

هذا التفاوت في الأولويات خلق فجوة في الثقة، حيث لم تعد الخطابات العاطفية القادمة من طهران كافية لإقناع عائلة فقدت معيلها أو منزلها بأن “النصر الإلهي” قاب قوسين أو أدنى، في ظل واقع اقتصادي ومعيشي منهار تمامًا.

التحول الاقتصادي.. من “المال الطاهر” إلى واقع الإفلاس

لسنوات طويلة، استندت قوة حزب الله داخل بيئته على شبكة واسعة من المؤسسات الخدمية والاجتماعية التي تُموّل مباشرة من “المال الإيراني”، مما خلق مجتمعًا موازيًا يشعر بالأمان المادي بعيدًا عن الدولة اللبنانية المتهالكة، ولكن مع تشديد العقوبات الدولية على طهران وانشغالها بأزماتها الداخلية والاحتجاجات المتكررة، تراجع حجم هذا الدعم بشكل ملحوظ، مما انعكس سلبًا على الرواتب والمساعدات والخدمات الصحية التي كان يقدمها الحزب لمناصريه.

هذا التراجع المالي أدى إلى اصطدام الجمهور بالواقع اللبناني المرير؛ فجأة وجد “جمهور المقاومة” نفسه في خندق واحد مع بقية اللبنانيين في طوابير المصارف والبحث عن الدواء والكهرباء، دون أن يجد في “البديل الإيراني” منقذًا حقيقيًا.

هذا الانكشاف المادي دفع بالبوصلة الشعبية بعيدًا عن الشعارات الإيديولوجية الكبرى نحو البحث عن حلول “لبنانية صرفة” تنقذ ما تبقى من رمق الحياة، بعيدًا عن صراعات المحاور التي لم تجلب لهم سوى مزيد من العزلة والفقر.

تداعيات الاهتزاز في البوصلة على المشهد السياسي اللبناني

إن فقدان البوصلة لاتجاه طهران لا يعني بالضرورة انقلابًا فوريًا أو خروجًا عن الطاعة، بل يعني “برودًا في الحماس” وتحولاً نحو البراغماتية، وهو ما يظهر في تراجع القدرة على الحشد الجماهيري المليوني، وبروز أصوات معارضة خجولة ولكنها صلبة داخل الطائفة.

ووفق مصادر قالت: إن هذا التحول يُربك قيادة حزب الله التي تجد نفسها مضطرة لموازنة الأمور بين مطالب طهران وبين تآكل رصيدها الشعبي الذي يطالب بالأمان والاستقرار قبل أي شيء آخر.

سياسيًا، قد يؤدي هذا الارتباك إلى مرونة أكبر في الملفات الداخلية اللبنانية، مثل انتخاب رئيس للجمهورية أو الانخراط في إصلاحات اقتصادية، كنوع من الهروب للأمام ومحاولة إعادة الارتباط بالدولة اللبنانية لتكون هي “الدرع الحقيقي” في حال قررت طهران تقليص نفوذها أو دعمها.

هل انتهى مفعول “السحر الإيديولوجي”؟

ويمكن القول: إن “المعادلة المكسورة” بين بيروت وطهران دخلت مرحلة اللاعودة؛ فالعلاقة التي قامت على التبعية الإيديولوجية والمادية المطلقة تواجه اليوم اختبار “الواقعية القاسية”.

فبيئة حزب الله، التي قدمت تضحيات لا تُحصى، بدأت تشعر بأنها باتت “وقوداً” في محرك لا يقوده لبنانيون، وأن البوصلة التي كانت تشير دومًا إلى طهران كقبلة للمقاومة، بدأت تنحرف نحو “بيروت” بحثًا عن مخرج من نفق مظلم طال أمده، وإن نضج هذه الظروف يشير إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة صياغة للعقد الاجتماعي والسياسي بين الحزب وبيئته من جهة، وبين لبنان والمحاور الإقليمية من جهة أخرى، في ظل يقين يتشكل يومًا بعد يوم بأن “الغطاء الإيراني” قد يكون دافئًا في الشتاء، لكنه لا يحمي من العواصف التي تضرب الجذور.