ذات صلة

جمع

تحالف الدم الذي أحرق السودان.. ما أخطر جرائم يُتّٓهم فيها البرهان؟

يعيش السودان اليوم واحدة من أحلك فترات تاريخه المعاصر...

صرخات تحت شمس الصحراء.. كيف تواجه تونس اتهامات بـ “الترحيل القسري”؟

يبرز ملف المهاجرين غير النظاميين في تونس كواحد من...

قنبلة موقوتة أم واقع جديد.. ليبيا بين رخاء عوائد النفط ومقصلة تهميش القانون الدولي

لم يعد المشهد الليبي محكومًا بقواعد اللعبة الدولية التي...

صرخات تحت شمس الصحراء.. كيف تواجه تونس اتهامات بـ “الترحيل القسري”؟

يبرز ملف المهاجرين غير النظاميين في تونس كواحد من أعقد الملفات الحقوقية والسياسية في منطقة حوض المتوسط، فبينما تتحدث الأرقام الرسمية عن نجاحات في “إعادة” المهاجرين، تتعالى أصوات المنظمات الدولية محذرة من ظروف مأساوية تحيط بهذه العمليات، واصفة إياها بـ “الترحيل القسري الممنهج” تحت غطاء العودة الطوعية.

10 آلاف عائد والجدل مستمر

كشف وزير الخارجية التونسي، محمد علي النفطي، في جلسات برلمانية عقدت أواخر عام 2025، أن الدولة التونسية نجحت في ترحيل نحو 10,000 مهاجر غير نظامي منذ مطلع العام، الغالبية العظمى من هؤلاء ينحدرون من دول أفريقيا جنوب الصحراء.

وتؤكد الحكومة التونسية، أن هذه العمليات تمت بالتنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة (IOM) عبر رحلات جوية أسبوعية، ضمن برنامج “المساعدة على العودة الطوعية وإعادة الإدماج”.

وتتمسك تونس بموقفها الرافض لأن تكون “منطقة عبور” أو “أرض توطين”، مشددة على أن السيادة الوطنية تقتضي حماية الحدود وتطبيق القانون إلا أن هذا الموقف يصطدم بواقع ميداني مرير يعيشه آلاف المهاجرين العالقين في غابات الزيتون بمنطقتي “العمرة” و”جبنيانة” بصفاقس.

طوعية أم قسرية؟

تطرح المنظمات الحقوقية، وعلى رأسها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، تساؤلاً جوهريًا هل يمكن وصف العودة بـ “الطوعية” إذا كان المهاجر يخيّر بين ركوب الطائرة أو الموت جوعًا وبردًا في العراء؟

وتشير التقارير الحقوقية إلى أن تضييق الخناق على المهاجرين، ومنعهم من العمل أو الحصول على المأوى، وتفكيك مخيماتهم بالقوة، هي ممارسات تدفع المهاجر دفعًا نحو “خيار العودة الوحيد” وتوثق شهادات عديدة حالات من “الطرد القسري” إلى مناطق حدودية صحراوية نائية مع ليبيا والجزائر، حيث يواجه المهاجرون ظروفًا مناخية قاسية دون ماء أو غذاء، وهو ما يطلق عليه الحقوقيون “صرخات تحت شمس الصحراء”.

الضغط الأوروبي والمقايضة الصعبة

لا يمكن فصل هذا التصعيد في عمليات الترحيل عن مذكرة التفاهم الشاملة الموقعة بين تونس والاتحاد الأوروبي. فبروكسل تضخ ملايين اليورو لدعم خفر السواحل التونسي وتعزيز الرقابة على الحدود مقابل كبح تدفق قوارب الهجرة نحو الشواطئ الإيطالية.

وترى مصادر، أن تونس وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع “أزمة مركبة”؛ فهي مطالبة بحماية حدود أوروبا أمنيًا، والتعامل مع ضغوط اجتماعية داخلية ناتجة عن تزايد أعداد المهاجرين، وفي الوقت ذاته الحفاظ على صورتها كدولة تحترم حقوق الإنسان الدولية.

واقع السجون والمخيمات في 2025

في أبريل 2025، بدأت السلطات التونسية عمليات واسعة لتفكيك مخيمات المهاجرين؛ مما أدى إلى نزوح مئات العائلات نحو المدن الكبرى أو الاختباء في المناطق الريفية.

وتتحدث تقارير عن “انتهاكات واسعة” تشمل الاحتجاز التعسفي في مرافق لا تتوفر فيها أدنى معايير الكرامة البشرية، وهو ما نفته السلطات التونسية مرارًا، معتبرة أن هذه الادعاءات تهدف لتشويه صورة البلاد وتدخل في “صناعة التضليل الإعلامي”.

إن الحل الأمني الصرف، الذي تتبناه تونس بضغط أوروبي واضح، قد ينجح في تقليص أعداد الوافدين مؤقتاً، لكنه لا يعالج جذور المأساة.

فالمهاجر الذي قذفته ظروف الحرب والفقر في أفريقيا لن تثنيه الصحراء الكبرى ولا أمواج المتوسط ما لم تتوفر له بدائل حقيقية في بلده الأصلي.

إن المسؤولية التاريخية تقع اليوم على عاتق المجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي للتوقف عن تحويل دول شمال أفريقيا إلى “حراس حدود” والبدء في استثمار حقيقي في التنمية وحقوق الإنسان وستبقى صرخات المهاجرين في فجاج الصحراء التونسية شاهدًا على عجز القوانين الدولية أمام واقع الجوع والباحثين عن الحياة، وستظل تونس عالقة بين مطرقة السيادة الوطنية وسندان الالتزامات الأخلاقية، في قضية لا رابح فيها سوى تجار البشر.