في خطوة وصفت بأنها “منعطف تاريخي” في مسار الدولة العراقية ما بعد عام 2014، أعلنت الحكومة العراقية رسميًا عن انتهاء المرحلة الأولى من إنهاء مهمة التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش”، هذا الإعلان ليس مجرد إجراء فني أو عسكري، بل هو ترجمة لتفاهمات استراتيجية معقدة بين بغداد وواشنطن، تهدف إلى نقل العلاقة من “التبعية الأمنية” إلى “الشراكة الثنائية”.
ماذا يعني انتهاء المرحلة الأولى؟
تضمنت المرحلة الأولى التي أُعلن عن ختامها، إعادة تقييم شاملة للقدرات العسكرية العراقية، وجدولة انسحاب القوات القتالية من قواعد معينة، وتحويل الدور الاستشاري إلى قنوات تنسيق ثنائية.
وبحسب البيان الرسمي، فإن انتهاء هذه المرحلة يعني تقليص التواجد الأجنبي ورحيل عدد من الوحدات القتالية والفنية التي كانت تتمركز في القواعد العراقية ونقل المسؤولية الكاملة و تسلم القوات الأمنية العراقية بمختلف صنوفها، لزمام المبادرة في العمليات الاستباقية ضد الخلايا النائمةو الانتقال من “القيادة المشتركة للعمليات” إلى دور “المشورة والتمكين” المحدود، تمهيداً للانسحاب النهائي المخطط له في سبتمبر 2026.
خلفيات الاتفاق
منذ إعلان النصر على داعش في 2017، بدأت المطالبات السياسية والشعبية في العراق بضرورة وضع جدول زمني لرحيل القوات الأجنبية، ومع تولي حكومة محمد شياع السوداني، تحول هذا الملف إلى أولوية قصوى.
وقالت مصادر: إن الاتفاق الحالي يعكس نضج القوات المسلحة العراقية، التي أثبتت من خلال عمليات “سيوف الحق” وغيرها، قدرتها على ملاحقة بقايا التنظيم الإرهابي في الوديان والجبال دون الحاجة لتدخل بري دولي مباشر.
التحديات الأمنية
رغم إعلان نهاية المرحلة الأولى، يبرز تساؤل جوهري حول قدرة العراق على مواجهة التحديات الأمنية منفردًا، حيث تشير التقارير الاستخباراتية إلى أن “داعش” لم يعد يسيطر على الأرض، لكنه ما زال يمتلك خلايا “ذئاب منفردة” تنشط في المناطق الحدودية والوعرة.
لذلك، تضمن الاتفاق بين بغداد وواشنطن استمرار التعاون في مجالات استمرار تقديم الدعم الفني للطائرات العراقية وتبادل البيانات حول تحركات الإرهابيين عبر الحدودو رفع كفاءة قوات النخبة وجهاز مكافحة الإرهاب.
الأبعاد السياسية والإقليمية
تعد هذه الخطوة انتصارًا للدبلوماسية العراقية التي استطاعت الموازنة بين ضغوط الداخل “المطالبة بالانسحاب الفوري” والضرورات العسكرية “التي تستوجب الانسحاب المتدرج”، كما أنها تعطي إشارة قوية لدول الجوار بأن العراق بدأ يستعيد عافيته الأمنية ويفرض سيادته الكاملة على قراره العسكري، مما يقلل من حدة التوترات الإقليمية التي كانت تتخذ من الوجود الأجنبي ذريعة للتدخل.
إن إعلان نهاية المرحلة الأولى لمهمة التحالف الدولي في العراق هو أكثر من مجرد “إعادة تموضع عسكري”؛ إنه إعلان ثقة بقدرة الإنسان العراقي على حماية أرضه وصون منجزاته.
لقد دفع العراق أثمانًا باهظة من دماء أبنائه لاستعادة مدنه من براثن الإرهاب، واليوم، وهو يطوي هذه الصفحة، ليؤكد للعالم أن “حقبة الوصاية الأمنية” قد انتهت، لتبدأ حقبة “السيادة الوطنية المستدامة”.

