في خطوة أثارت جدلاً واسعًا في الأوساط الدبلوماسية، أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب طرح نفسه لاعبًا مركزيًا في إعادة تشكيل قواعد النظام الدولي، عبر الدعوة إلى إنشاء ما أطلق عليه “مجلس السلام”، انطلاقًا من ملف غزة، لكن بطموحات تتجاوز حدود الجغرافيا الفلسطينية.
المبادرة، التي قدمت باعتبارها إطارًا جديدًا لإدارة الأزمات، فتحت باب التساؤلات حول ما إذا كان ترامب يسعى فعلاً إلى بناء منظومة عالمية موازية للأمم المتحدة، أم أنه يستخدم غزة كنقطة ارتكاز لتوسيع نفوذ واشنطن وفق مقاربة غير تقليدية.
من غزة إلى العالم.. توسيع الإطار السياسي
ووفق معطيات دبلوماسية غربية، فإن دعوة ترامب لعشرات القادة الدوليين للمشاركة في مجلس السلام لا تقتصر على معالجة الوضع في غزة، بل تحمل مؤشرات واضحة على نية توسيع صلاحيات هذا الكيان ليشمل أزمات إقليمية ودولية أخرى.
هذا التوجه يعكس رؤية متزايدة داخل الإدارة الأميركية تعتبر أن المؤسسات الدولية التقليدية لم تعد قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة في عالم ما بعد الحروب الكبرى.
ويأتي ذلك في سياق انتقادات ترامب المتكررة للأمم المتحدة، التي طالما وصفها بالعجز والبيروقراطية، معتبرًا أنها فقدت قدرتها على فرض حلول حقيقية في بؤر الصراع.
منطق مختلف لإدارة العالم
يرى باحثون في الشأن الدولي، أن مجلس السلام يعكس فلسفة ترامب الخاصة في إدارة العلاقات الدولية، والتي تقوم على مبدأ النفوذ المباشر لا التوافقات متعددة الأطراف.
بدلاً من منظومة شاملة تضم الخصوم والحلفاء معًا، يفضل الرئيس الأميركي بناء إطار محدود، تقوده واشنطن، ويضم دولاً صديقة أو متحالفة، بما يسمح بقرارات أسرع وأقل كلفة سياسية.
هذه المقاربة تعكس تصورًا للعالم باعتباره مناطق نفوذ متنافسة، تحتل الولايات المتحدة موقعها الأوسع، فيما يتم استبعاد قوى كبرى منافسة مثل روسيا والصين، وحتى بعض القوى الأوروبية، من دوائر التأثير المباشر.
غزة كنموذج للنفوذ الأميركي المباشر
ويمثل ملف غزة اختبارًا عمليًا لهذا التوجه. فوفق قراءات سياسية، فإن إدارة ترامب تسعى إلى سحب الملف الفلسطيني من الإطار الأممي التقليدي، ووضعه بالكامل تحت المظلة الأميركية، هذا التحول يعني عمليًا إعادة صياغة قواعد إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بحيث تصبح واشنطن اللاعب الوحيد القادر على فرض الحلول، بعيدًا عن ضغوط المؤسسات الدولية أو توازناتها.
ويرى مراقبون، أن نجاح هذا النموذج في غزة قد يدفع الإدارة الأميركية إلى تعميمه على ملفات أخرى في الشرق الأوسط، ما يمنح مجلس السلام دورًا وظيفيًا يتجاوز طابعه الرمزي.
اللافت في هذه المقاربة، أنها، وإن كانت منسجمة مع تاريخ طويل من الدعم الأميركي لإسرائيل، إلا أنها تعيد رسم حدود هذا الدعم.
فإدارة الملف عبر مجلس تقوده واشنطن تعني تقليص هامش القرار الإسرائيلي المستقل، ووضعه ضمن إطار أوسع تتحكم فيه المصالح الأميركية بالدرجة الأولى.
ويصف محللون هذا التحول بأنه الأبرز منذ عقود، حيث يتم لأول مرة التعامل مع غزة كملف نفوذ أميركي مباشر، لا مجرد ساحة تتحرك فيها إسرائيل بدعم سياسي مفتوح.

