تشهد الأسواق الليبية في الآونة الأخيرة حراكًا شعبيًا غير مسبوق، حيث تصاعدت دعوات المقاطعة الشعبية لمواجهة موجة الغلاء الفاحش التي طالت السلع الأساسية.
ومع استمرار تذبذب أسعار صرف العملات الأجنبية وضعف الرقابة الحكومية، وجد المواطن الليبي نفسه أمام خيار واحد وهو استخدام قوته الشرائية كسلاح للضغط على التجار وكبار الموردين.
واقع السوق الليبي
وقالت مصادر: إن ليبيا تعتمد بشكل شبه كلي على الاستيراد لتأمين احتياجاتها الغذائية والدوائية، هذا الاعتماد جعل السوق المحلي رهينة لتقلبات سعر صرف الدينار الليبي أمام الدولار، لكن المشكلة لم تتوقف عند هذا الحد، حيث أشاروا إلى وجود “تشوهات هيكلية” في السوق تتمثل في سيطرة عدد محدود من الشركات الكبرى على توريد سلع استراتيجية مثل “الزيت، السكر، الدقيق” وضعف دور جهاز الحرس البلدي ووزارة الاقتصاد في فرض رقابة صارمة على هوامش الربح ولجوء بعض التجار لتخزين البضائع لتعطيش السوق ورفع الأسعار عمدًا.
حملات المقاطعة: من الفضاء الرقمي إلى الواقع
وانطلقت شرارة المقاطعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تصدرت وسوم مثل #خلوهيصدي و #مقاطعةالسلع_الغالية التريند الليبي، ولم تعد هذه الدعوات مجرد شعارات، بل بدأت تؤتي ثمارها في عدة مدن حيث شهدت أسعار اللحوم ارتفاعًا جنونياً تجاوز 80 دينارًا للكيلوجرام، مما دفع المواطنين للعزوف عن شرائها، وأجبر بعض القصابين على خفض الأسعار تدريجياً لتصريف المخزون.
وتوجه المستهلكون نحو العلامات التجارية الأقل شهرة أو المنتجات المحلية البديلة، مما وجه ضربة قوية للوكالات التجارية الكبرى التي ترفض خفض الأسعار.
هل تنجح المقاطعة في كسر الاحتكار؟
الإجابة على هذا السؤال تعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية تحدد مدى فاعلية هذا السلاح في البيئة الليبية فالمشكلة في حملات المقاطعة السابقة كانت “موسمية”، حيث تنتهي بمجرد انخفاض طفيف في الأسعار ولكسر الاحتكار، يحتاج المستهلك الليبي إلى ثقافة استهلاكية مستدامة تعتمد على المقارنة والبحث عن البدائل دائمًا.
كما أن الاحتياج المتفاوت بين الطبقات الاجتماعية قد يضعف المقاطعة و نجاح السلاح يكمن في وحدة الصف؛ فإذا قاطع الفقير واستمر الغني في الشراء، لن يشعر التاجر بالضغط الحقيقي ولا يمكن مقاطعة سلع ليس لها بديل محلي أو مستورد آخر وهنا يأتي دور الدولة في تسهيل إجراءات الاستيراد لصغار التجار لكسر هيمنة “الحيتان الكبيرة” وتوفير خيارات متعددة أمام المواطن.
التحديات الاقتصادية والسياسية
لا يمكن فصل غلاء الأسعار عن المشهد السياسي المعقد، فالانقسام الإداري بين شرق وغرب البلاد أدى إلى تضارب في السياسات النقدية وصعوبة تتبع سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين بسبب الأوضاع الأمنية.
هذه العوامل تجعل من “المقاطعة” سلاحًا يواجه منظومة كاملة وليس مجرد تاجر تجزئة بسيط. فالتاجر الصغير غالبًا ما يكون ضحية لزيادة أسعار الجملة وتكاليف النقل.
ولتحويل المقاطعة من “هبة عاطفية” إلى “أداة اقتصادية” فاعلة، يقترح الخبراء ما يلي إنشاء جمعيات حماية المستهلك و تشجيع المزارعين والمصانع المحلية لتقليل الاعتماد على المستورد ومطالبة مصرف ليبيا المركزي بنشر قوائم الشركات التي تتحصل على دولار بالسعر الرسمي، ليعرف المواطن من هم المستفيدون ومن يمارسون المضاربة.
الكلمة الأخيرة للمستهلك
إن سلاح المقاطعة في ليبيا أثبت أنه قادر على إرباك حسابات المحتكرين، لكنه يظل سلاحاً محدود الأمد ما لم تدعمه سياسات اقتصادية واضحة، وأن نجاح المستهلك في كسر الاحتكار ليس مستحيلاً، ولكنه يتطلب وعيًا جماعيًا يتجاوز الرغبة في خفض السعر اللحظي إلى بناء سوق تنافسي عادل يحترم جيب المواطن فالأسواق الليبية اليوم في حالة ترقب؛ فإما أن يستمر المستهلك في فرض إرادته، أو يعود التجار لفرض سيطرتهم بمجرد هدوء العاصفة.

