تعيش إيران واحدة من أكثر لحظاتها توترًا منذ سنوات، مع احتجاجات متواصلة اتسمت باتساع رقعتها وجرأة شعاراتها، ما بدأ بتحركات مطلبية ذات طابع معيشي سرعان ما تحوّل إلى حراك سياسي يطعن في أسس النظام القائم منذ أكثر من أربعة عقود.
هذا التحول النوعي جعل الاحتجاجات الراهنة مختلفة عن سابقاتها، وأعاد طرح سؤال جوهري حول قدرة السلطة على الصمود في وجه ضغط الشارع.
زخم الشارع وحدود التصعيد
ويعد حجم الاحتجاجات واستمراريتها عاملًا حاسمًا في تحديد مسار الأزمة، فرغم اتساع التحركات لتشمل مدنًا كبرى، فإنها لم تصل بعد إلى الكتلة الحرجة القادرة على شل الدولة بالكامل.
ومع فرض قيود صارمة على الإنترنت ووسائل الاتصال، بات من الصعب قياس الحجم الحقيقي للحراك، ما يمنح السلطات هامشًا إضافيًا للمناورة واحتواء الغضب.
أحد أبرز التحديات التي تواجه المحتجين يتمثل في غياب بنية تنظيمية قادرة على إدارة الحراك وتوحيد مطالبه، فحتى الآن، لا توجد قيادة مركزية أو شبكة تنسيق واسعة تستطيع الصمود أمام القمع، أو الانتقال بالاحتجاجات من الشارع إلى أدوات ضغط أكثر تأثيرًا، مثل الإضرابات في القطاعات الحيوية، هذا الفراغ يقلل من فرص إحداث تغيير جذري في المدى القريب.
تماسك النخبة الحاكمة
وبالرغم من الضغط الشعبي، ما تزال مؤسسات النظام الأساسية متماسكة، لا سيما الأجهزة الأمنية والعسكرية، فغياب الانشقاقات داخل هذه الدوائر يحدّ بشكل كبير من احتمالات انهيار السلطة.
تاريخيًا، كان تصدع النخبة شرطًا رئيسيًا لأي تحول سياسي كبير في إيران، وهو ما لم تظهر مؤشراته بوضوح حتى الآن.
ويلعب البعد الخارجي دورًا حساسًا في المشهد الإيراني، خصوصًا مع تصاعد التهديدات الأميركية والإسرائيلية، أي تدخل عسكري مباشر قد يقلب موازين الأزمة، سواء عبر إضعاف بنية النظام أو، على العكس، دفعه إلى مزيد من التماسك تحت شعار مواجهة الخطر الخارجي، هذا العامل يجعل مستقبل الاحتجاجات مرتبطًا أيضًا بحسابات إقليمية ودولية معقدة.
المعارضة والبديل المفقود
وعلى الرغم من بروز شخصيات معارضة في الخارج، فإن الانقسام بينها وغياب حضور فعال داخل إيران يحدّ من قدرتها على لعب دور حاسم، فالتغيير، إن حدث، يحتاج إلى إطار قيادي جامع يمثل أطيافًا واسعة من المجتمع، لا إلى أصوات متفرقة تفتقر إلى مشروع سياسي متكامل لمرحلة ما بعد الاحتجاجات.
ويشكل موقع المرشد الأعلى أحد مفاتيح المرحلة المقبلة، في ظل تقدمه في العمر وغياب توافق واضح حول خليفته، أي اضطراب في آلية الخلافة قد يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، من إعادة إنتاج النظام بصيغة معدلة، إلى انتقال فعلي للسلطة داخل مؤسسات القوة، وعلى رأسها الحرس الثوري.

