في خطوة وصفتها الأوساط النفطية بأنها “اختبار السيادة والقدرة”، أعلنت وزارة النفط العراقية مطلع عام 2026 عن منح شركة محلية وطنية كامل الصلاحيات لإدارة عمليات حقل غرب القرنة 2، أحد أضخم الحقول النفطية في العالم.
هذا القرار لم يكن مجرد إجراء إداري، بل هو رهان استراتيجي تضعه الحكومة العراقية على طاولة قطاع الطاقة العالمي، متسائلة هل نضجت الخبرات المحلية بما يكفي لتعويض غياب الشركات العالمية الكبرى؟
حقل غرب القرنة 2
يعد حقل غرب القرنة 2، الواقع في محافظة البصرة، ركيزة أساسية في استراتيجية الطاقة العراقية، باحتياطي نفطي يتجاوز 13 مليار برميل، وطاقة إنتاجية تهدف للوصول إلى 800 ألف برميل يوميًا، كان الحقل دائمًا تحت مجهر الشركات العالمية مثل “لوك أويل” الروسية.
تأتي الخطوة العراقية في 2026 لتنهي حقبة الاعتماد الكلي على المشغل الأجنبي، وتضع “الجهد الوطني” أمام مسؤولية الحفاظ على استمرارية التدفقات المالية التي تغذي موازنة البلاد بنسبة تزيد عن 90%.
هل نمتلك “التكنولوجيا” البديلة؟
يؤكد خبراء التقنية النفطية في العراق، أن السنوات العشر الماضية لم تذهب سدى، فقد عملت الكوادر الهندسية المحلية جنباً إلى جنب مع الشركات الأجنبية؛ مما أدى إلى “نقل المعرفة” بشكل تدريجي.
يمتلك العراق الآن جيلاً من المهندسين المدربين على أنظمة التحكم الرقمي (DCS) وبرمجيات النمذجة المكمنية، فالشركة المحلية التي تسلمت المهمة قامت بتحديث مركز السيطرة والتحكم، وباتت قادرة على إدارة الآبار الذكية التي تم حفرها مسبقاً.
الرهان الحقيقي يكمن في “الاستجابة التقنية” للأعطال الكبرى، فالعراق يمتلك الآن ذراعاً قوية ممثلة بـ شركة المشاريع النفطية و شركة حفر الآبار، اللتين أثبتتا كفاءة في تنفيذ مشاريع معقدة في حقول الوسط والجنوب؛ مما يقلل الفجوة التي قد يتركها الانسحاب الأجنبي.
التحديات اللوجستية
بعيدًا عن الجوانب الفنية، يبرز التحدي اللوجستي كعقبة أساسية، إدارة حقل بهذا الحجم تتطلب سلسلة توريد (Supply Chain) عالمية لا تنقطع.
وكانت الشركات العالمية تمتلك عقود توريد حصرية وسريعة مع المصنعين في أوروبا وأمريكا. سيتعين على الشركة العراقية بناء خطوط توريد مباشرة وسريعة لتفادي أي توقف في الإنتاج.
كما ان الحقل يضم آلاف العمال والمقاولين المحليين والأجانب. القدرة اللوجستية على إدارة هذه الكتلة البشرية وضمان معايير السلامة المهنية (HSE) ستكون المعيار الأول لنجاح الإدارة المحلية.
الأبعاد الاقتصادية
يرى المتفائلون، أن إدارة الحقل محليًا ستوفر على الدولة العراقية “كلف الخدمة” التي كانت تتقاضاها الشركات الأجنبية عن كل برميل مستخرج. هذه المبالغ، التي تقدر بمئات الملايين من الدولارات سنويًا، يمكن إعادة استثمارها في تطوير البنية التحتية لمدينة البصرة.
ومع ذلك، يحذر محللون اقتصاديون من أن أي تراجع في كفاءة الإنتاج ولو بنسبة 5% سيؤدي إلى خسائر تفوق بكثير ما تم توفيره من كلف الخدمة.
يظل تسلم الكوادر العراقية لإدارة حقل غرب القرنة 2 اختبارًا حقيقيًا للإرادة الوطنية؛ فالعراق اليوم لا يسعى لتأكيد جاهزيته التقنية واللوجستية فحسب، بل يطمح لكسر معادلة التبعية للخبرات الأجنبية، وأن نجاح هذا الرهان سيشكل انعطافة تاريخية تعيد رسم خارطة النفوذ النفطي، وتثبت أن “السيادة” تبدأ من فوهة البئر.

