مع دخول الصراع في أوكرانيا عامه الرابع، يواجه القادة الأوروبيون تحدي “إعياء الحرب” الذي بدأ يتسلل إلى القواعد الشعبية. إن تخصيص مليارات اليوروهات لدعم كييف، في ظل نمو اقتصادي متباطئ لا يتجاوز 1.1% بحسب تقديرات 2026، يضع الحكومات في مواجهة مباشرة مع شعوبها، ولم يعد السؤال “هل ستنتصر أوكرانيا؟” بل “إلى متى يمكن لأوروبا أن تستمر في التمويل؟”.
إن هذا الاستنزاف دفع دولاً محورية مثل ألمانيا وفرنسا إلى مراجعة ميزانياتها الدفاعية، محولةً الموارد من مشاريع “التحول الأخضر” إلى المصانع العسكرية، مما يهدد الأهداف المناخية الطموحة لعام 2030.
الذكاء الاصطناعي.. السلاح ذو الحدين في السيادة الرقمية
في أغسطس 2026، يدخل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي حيز التنفيذ الكامل، ليضع القارة أمام اختبار “السيادة الرقمية”، وبينما تحاول أوروبا فرض معايير أخلاقية صارمة، تجد نفسها في صراع مع عمالقة التكنولوجيا من وادي السيليكون والصين.
كما أن “عصر الخداع الكبير” تجلى في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لنشر “التزييف العميق” الذي استهدف انتخابات وطنية في دول أوروبية عدة، مما أجبر المفوضية الأوروبية على ضخ استثمارات ضخمة في تقنيات “كشف الزيف” لحماية النظام العام.
فخ الاستنزاف الاقتصادي.. بين الإنفاق العسكري والركود
لم يكن الاقتصاد الأوروبي في 2026 بمنأى عن الهزات؛ حيث أدت الرسوم الجمركية المتبادلة والتوترات التجارية مع الولايات المتحدة “تحت إدارة ترامب” والصين إلى تراجع تنافسية الشركات الأوروبية
إن الإنفاق الدفاعي الذي قفز لمستويات غير مسبوقة استنزف السيولة التي كان يحتاجها القطاع التكنولوجي للمنافسة في سباق “أشباه الموصلات”، كما أن هذا الواقع خلق ما يسميه الخبراء “فخ الاستنزاف الثلاثي”: استنزاف مالي لدعم أوكرانيا، استنزاف تكنولوجي في مواجهة الذكاء الاصطناعي، واستنزاف سياسي نتيجة صعود التيارات القومية المشككة في جدوى الاتحاد.
سيناريوهات المستقبل
رغم قتامة المشهد، تمتلك أوروبا أوراق قوة لا يستهان بها. فالاقتصاد الألماني بدأ يظهر علامات تعافٍ طفيفة بفضل “التحول الرقمي” في الصناعة، كما أن الاستثمار في “البنية التحتية للذكاء الاصطناعي” ساهم بنسبة 0.4% في النمو السنوي.
كما أن النجاة من فخ الاستنزاف تتطلب من بروكسل الانتقال من “رد الفعل” إلى “المبادرة”؛ عبر تفعيل اتفاقيات تجارية جديدة “مثل ميركوسور”وتحويل أوكرانيا من “عبء أمني” إلى “شريك استراتيجي” في إعادة الإعمار، وهو ما قد يوفر فرصاً استثمارية هائلة للشركات الأوروبية.
إن النجاح في عبور “عصر الخداع الكبير” يكمن في قدرة القادة على إقناع الشعوب بأن ثمن “الصمود” اليوم أقل بكثير من ثمن “الانهيار” غدًا، فهل تنجح أوروبا في إعادة اختراع نفسها كقوة عسكرية وتكنولوجية مستقلة، أم ستظل أسيرة لاستنزاف لا ينتهي؟

