ذات صلة

جمع

تونس تستنجد بالغيث.. هل دخلت البلاد مرحلة الجفاف المزمن؟

تشهد تونس خلال السنوات الأخيرة واحدة من أصعب المراحل المناخية في تاريخها الحديث، بعدما سجّلت البلاد تراجعًا حادًا في معدلات الأمطار، ونقصًا مستمرًا في الموارد المائية السطحية والجوفية، ما دفع السلطات إلى إطلاق برامج تقنين المياه، وتوسيع حملات التحذير، وإعلان خطط طوارئ على مستوى السدود والآبار.

ومع استمرار موجات الجفاف للعام الخامس على التوالي، بدأ يتبلور سؤال يطرح نفسه بإلحاح، هل دخلت تونس في مرحلة “الجفاف المزمن”؟ وهل لا تزال الحلول التقليدية قادرة على إنقاذ الوضع؟

مؤشرات خطيرة

وقالت مصادر إنه تونس شهدت خلال المواسم الماضية انخفاضًا كبيرًا في معدلات الأمطار، خاصة في الشمال والوسط الغربي، وهي المناطق التي تُعد خزّان البلاد الرئيسي من المياه.

وتشير الأرقام إلى أن بعض السدود لم تتجاوز نسبة امتلائها 20% خلال فترات حرجة، بينما وصل مستوى المياه في سدّين استراتيجيين إلى أدنى مستوياتها منذ تأسيسهما.

الخسائر الأكبر

وأوضحت المصادر أن الزراعة تُعد العمود الفقري للاقتصاد الريفي في تونس، وتعتمد على الأمطار بنسبة تتجاوز 80% في بعض المحاصيل. ومع استمرار الجفاف، شهد القطاع تراجعًا كبيرًا في الإنتاج منها الزيتون و الحبوب و الثروة الحيوانية و الغابات والتي تعرضت الغابات التونسية لحرائق متكررة خلال الصيف، نتيجة الجفاف والحرارة، ما أدى إلى خسائر بيئية مهمة،هذه التحديات مجتمعة تهدد الأمن الغذائي للبلاد وتضع ضغوطًا إضافية على الميزانية.

تقنين مياه الشرب

وبدأت الدولة منذ عامين اتباع سياسة تقنين المياه، حيث فُرضت قطع دوري للمياه في عدد من ولايات الجمهورية خلال ساعات الليل، لمنع استنزاف المخزون المائي.

ورغم أن هذه السياسة كانت مؤقتة في البداية، فإن استمرار الأزمة جعلها شبه دائمة. بعض المناطق عاشت فترات طويلة من الانقطاع المتكرر، ما أثار غضب المواطنين ودفع جمعيات المجتمع المدني للمطالبة بـ”خطة إنقاذ عاجلة”.

ماذا تقول الحكومة؟

وتؤكد السلطات التونسية أن البلاد تواجه فعلًا “وضعية مائية حرجة”، لكنها تنفي الدخول في مرحلة الجفاف المزمن بشكل نهائي. وتركّز الحكومة على مجموعة من الإجراءات منها بناء محطات تحلية مياه البحر في صفاقس، سوسة، وجربة وربط السدود ببعضها لتسهيل توزيع المياه وحفر آبار جديدة لتعزيز المائدة الجوفية وإطلاق حملات توعية لترشيد الاستهلاك والاستثمار في تقنيات الريّ بالتنقيط، لكن خبراء يشيرون إلى أن هذه الجهود لن تكون كافية إذا استمرت الظروف المناخية الحالية، وأن البلاد بحاجة لخطط استراتيجية بعيدة المدى، لا مجرد حلول ظرفية.

هل تتحمل تونس وحدها المسؤولية؟

وأوضحت المصادر أنه لا يمكن إنكار أن جزءًا من الأزمة يعود إلى سوء إدارة الموارد المائية خلال العقود الماضية، إذ يعترف خبراء بأن شبكات المياه مهترئة، وتخسر البلاد نحو 30–40% من المياه بسبب التسرب والاستغلال العشوائي للآبار العميقة أدى إلى تدهور المياه الجوفية والتوسع العمراني والنشاط الصناعي لم يراعيا القدرات البيئية، لكن في المقابل، تعتبر تونس من الدول الأكثر تأثرًا بالتغيرات المناخية في شمال إفريقيا، فالتوقعات العلمية تشير إلى انخفاض الأمطار بنسبة قد تصل إلى 20% بحلول 2030، وارتفاع درجات الحرارة بمعدلات أعلى من المتوسط العالمي.

مستقبل المياه في تونس

وقالت مصادر إن هنا تصبح البلاد أمام “جفاف متكرر” قد يشلّ القطاع الزراعي ويؤدي إلى نقص حاد في مياه الشرب خلال المواسم الحرجة وفي حال تواصل تراجع الأمطار مع ضعف الإمكانيات المالية، قد تدخل تونس فعلًا مرحلة “الجفاف المزمن”، ما يفرض تغييرًا جذريًا في نمط الحياة والاقتصاد، كما تتضمن تسريع بناء محطات التحلية وإصلاح شبكات المياه القديمة. والتوسع في الطاقة الشمسية لتقليل تكاليف الضخّ والتحلية ودعم الفلاحين للانتقال إلى تقنيات ريّ حديثة وشراكات إقليمية للحصول على تمويلات دولية وهذا السيناريو يتطلب إرادة سياسية قوية وإدارة شفافة للموارد.

هل وصلنا إلى “الجفاف المزمن”؟

وفق تحليلات عدد من المصادر، فإن تونس لم تدخل بعد في الجفاف المزمن بالمعنى العلمي الكامل، لكنها تقف على أعتابه بوضوح شديد، فالمؤشرات المناخية، وتراجع المخزون المائي، وتكرار المواسم الجافة، كلها تنذر بأن الأزمة أصبحت هيكلية وليست ظرفية، وبينما تستنجد البلاد بالغيث في كل موسم، فإن الواقع يشير إلى أن الحل لن يأتي فقط من السماء، بل من تغيير جذري في إدارة الموارد والسياسات الاقتصادية.