لم تعد ساحة الصراع بين إيران وإسرائيل مقتصرة على تبادل الضربات العسكرية أو التهديدات الدبلوماسية، بل باتت حرب الظل والاستخبارات في صدارة المشهد، بوصفها الأداة الأكثر تأثيرًا في إعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية.
وفي هذا السياق، جاء إعلان الحرس الثوري الإيراني عن تفكيك خلية تجسس إسرائيلية داخل البلاد، في خطوة تطرح تساؤلات عديدة حول دلالاتها ورسائلها الاستراتيجية.
اللافت في هذا الإعلان، أنه لا يمكن قراءته بمعزل عن المشهد الإقليمي المضطرب، حيث تتقاطع جبهات عدة من سوريا ولبنان، مرورًا بالعراق واليمن، وصولاً إلى البحر الأحمر.
إذ يعكس الكشف عن “خلية إسرائيلية” حقيقة، أن الصراع بين الطرفين يتجاوز البعد العسكري التقليدي ليتحول إلى معركة مفتوحة على مستوى المعلومات والتأثير الخفي.
البعد الاستخباراتي في المعركة
تعتمد إسرائيل منذ عقود على اختراق العمق الإيراني، سواء عبر تجنيد شبكات بشرية أو من خلال القدرات السيبرانية.
ويبدو أن الإعلان الإيراني جاء في إطار إظهار قدرة أجهزة الأمن المحلية على مواجهة هذا التغلغل، في وقت تتزايد فيه التقديرات حول نشاطٍ إسرائيلي متصاعد داخل إيران يستهدف برنامجها النووي والبنية التحتية للصواريخ والطائرات المسيّرة.
إيران، من جهتها، تحاول تقديم نفسها قادرة على ضبط مسرحها الداخلي ومنع تحوله إلى ساحة مفتوحة أمام الاختراقات الإسرائيلية.
إعلان “تفكيك خلية” لا يهدف فقط إلى تسجيل إنجاز أمني، بل يحمل أيضًا رسالة طمأنة للجبهة الداخلية التي تعيش ضغطًا متزايدًا بسبب التوترات الخارجية والعقوبات الاقتصادية.
رسائل متبادلة تتجاوز الحدود
من زاوية أخرى، يحمل الإعلان بعدًا دعائيًا موجهًا للخارج، إيران تريد القول: إن قدرتها على الصمود ليست محصورة في الدفاع التقليدي، بل تمتد إلى امتلاك جهاز أمني قادر على إحباط أكثر الملفات تعقيدًا وهو ملف التجسس.
الرسالة هنا ليست فقط لإسرائيل، بل أيضًا لحلفائها في المنطقة وخصومها على السواء، بأن أي محاولة لاختراق الداخل الإيراني محكومة بالفشل.
في المقابل، لا يمكن إغفال أن إسرائيل ستتعامل مع الإعلان الإيراني من زاوية أخرى، إما محاولة للردع الإعلامي أو لتغطية ثغرات أمنية قائمة.
التجسس بالنسبة لإسرائيل ليس مجرد وسيلة لجمع المعلومات، بل عنصر حاسم في صياغة استراتيجيتها الدفاعية والهجومية، خصوصًا مع تصاعد حضور إيران في الساحات المحيطة بها.
معركة عقول لا تنتهي
الجانب الأبرز في مثل هذه العمليات، هو أنها تكشف عن انتقال الصراع من ميادين القتال إلى “المعلومة”، فامتلاك القدرة على معرفة تحركات الخصم ونواياه قد يعادل في قيمته امتلاك ترسانة من الأسلحة.
من هنا، فإن معركة التجسس بين إيران وإسرائيل لا تبدو عابرة، بل مرشحة للتصاعد كلما احتدمت الأزمات الإقليمية.