في خطوة تعكس تصاعد القلق الأمني في شمال أوروبا، بدأت السلطات النرويجية توجيه رسائل رسمية إلى آلاف المواطنين تحذرهم فيها من احتمال مصادرة ممتلكاتهم الخاصة في حال اندلاع حرب أو وقوع نزاع مسلح.
الإجراء، الذي تقوده القوات المسلحة، يأتي في سياق استعدادات توصف بأنها الأوسع منذ عقود، ويكشف عن تحول عميق في نظرة الدولة إلى المخاطر المحيطة بها.
رسائل غير مسبوقة إلى المواطنين
مع بداية الأسبوع، تلقى مواطنون نرويجيون إخطارًا رسميًا يفيد بأن منازلهم أو مركباتهم أو قواربهم أو معداتهم قد تستخدم لأغراض عسكرية إذا دخلت البلاد في حالة حرب.
ورغم التأكيدات الرسمية بأن هذه الإخطارات لا تحمل أي أثر عملي في زمن السلم، فإن وقعها كان لافتًا، إذ أعادت إلى الواجهة مفردات لم تكن مألوفة في الحياة اليومية للنرويجيين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وتوضح القوات المسلحة أن هذه الإخطارات تعد جزءا من التخطيط المسبق، حيث من المقرر إصدار آلاف أوامر المصادرة التحضيرية خلال العام المقبل، بعضها جديد والآخر تجديد لإخطارات سابقة، ما يعكس استمرارية النهج وتراكمه بمرور الوقت.
منطق الاستعداد لا التهويل
الجيش النرويجي شدد على أن الهدف من هذه الخطوة ليس إثارة الذعر، بل ضمان جاهزية الدولة في حال تعرضها لسيناريوهات طارئة.
الممتلكات المدنية، من وجهة النظر العسكرية، قد تشكل موردًا لوجستيًا حاسمًا في أوقات النزاع، سواء لاستخدامها في التنقل أو الإيواء أو الدعم التقني.
ويؤكد مسؤولون عسكريون، أن هذه السياسة تندرج ضمن أطر قانونية واضحة، وأنها مؤقتة ومحددة زمنيا، لكنها في الوقت نفسه تعكس قناعة راسخة بأن الاستعداد المبكر هو الضمانة الوحيدة لتقليل كلفة أي مواجهة محتملة.
أخطر وضع أمني منذ عقود
التوصيف الذي استخدمه قادة عسكريون للوضع الراهن كان لافتًا، إذ جرى الحديث صراحة عن أخطر بيئة أمنية تشهدها النرويج منذ الحرب العالمية الثانية، هذا التوصيف لا ينفصل عن السياق الأوروبي الأوسع، حيث أعادت الحرب في أوكرانيا والتوتر مع روسيا رسم أولويات الأمن والدفاع في القارة.
وتسعى أوسلو، في هذا الإطار، إلى تعزيز قدراتها العسكرية والمدنية على حد سواء، عبر تحديث منظومات الدفاع، وتكثيف التدريبات، ورفع مستوى الوعي المجتمعي بإدارة الأزمات.
موقع استراتيجي وحسابات القطب الشمالي
وتكتسب الخطوة النرويجية بعدًا إضافيًا بالنظر إلى موقع البلاد الجغرافي ودورها داخل حلف شمال الأطلسي، فالنرويج تعد أحد أهم أركان الناتو في القطب الشمالي، حيث تؤدي دورًا محوريًا في مراقبة التحركات العسكرية والبحرية في منطقة شديدة الحساسية.
كما أن الحدود البرية والبحرية المشتركة مع روسيا، الممتدة في أقصى شمال البلاد، تجعل من النرويج دولة تماس مباشر مع أحد أبرز مصادر القلق الأمني الأوروبي، وهو ما يفسر تصاعد الإجراءات الاحترازية خلال السنوات الأخيرة.
رغم الطابع التحضيري لهذه الإخطارات، فإنها تضع المجتمع النرويجي أمام اختبار نفسي وسياسي جديد، ففكرة أن الممتلكات الخاصة قد تتحول إلى أدوات في معادلة الدفاع الوطني تعكس تحولا في العلاقة بين الدولة والمواطن، عنوانه الاستعداد الجماعي لأسوأ الاحتمالات.

